آخر تحديث:07:32(بيروت)
السبت 15/06/2019
share

بين الساروت والطاغوت

أحمد عمر | السبت 15/06/2019
شارك المقال :
بين الساروت والطاغوت

تبيّن لي، بعد أمّة وشعبين؛ شعب منفيٌ في الخارج وشعب منفي في الداخل، أو شعب تشعب شعوباً وقبائل متحاربة، أنني لست الوحيد الذي ذكّرته جنازة الساروت بجنازة الرائد الركن المهندس المظلي، صاحب أطول لقب معروف في سوريا الحديثة، وأوجه الشبه بين حارس الكرامة وسارقها قليلة وهي؛ أنهما شابان من عمر متقارب، ورياضيّان، وكان لهما عند الموت المبكر جنازة كبيرة ورثاء، وهذه بعض الفروق بين الناسوت والبهموت:

أول الفروق أن ابن الشعب، وليُّ المرمى، عبد الباسط ولد وفي فمه طعم اللبن وقضى في المعركة، وتحت أخمصه الحشر، ومرماه الوطن ، وأن ابن الرئيس الملك، الملك الرئيس، ولي العهد، صاحب اللقب الذهبي، ولد وفي فمه ملعقة ذهب، وقضى في حادث سير، ومرماه القصر، والفرق كبير.

وقد غُمَّ سبب موت باسل، وعدل اسمه فصار مصدراً؛ الباسل، في الصحف السورية، عُتّم تماماً، لأن شرف الموت في حادث سير أدنى من شرف الموت في المعركة، كنا نعلم السبب لكننا لم نسأل، تواطأنا على الصمت، وطُوّب شهيداً ثم سيداً للشهداء في حادث سير، وقد تلي عليه قرآن كثير، ولم يكن مألوفاً أن يتلى القرآن علناً في قلعة العلمانية، لكنها هيبة الموت ورهبته . وأطلق عليه لقب الشهيد، والشهادة وصف جاء به الإسلام لم يكن معروفاً في الجاهلية، وكانت كل الاصطلاحات الإسلامية قد بدلت في أدبيات البعث، فالجهاد صار مقاومة ونضالاً وكفاحاً وأحياناً سعره أبخس: ممانعة، وحلّ نداء الرفيق حل محل نداء الأخ، وبقيت الشهادة لأن العقول البعثية – أمخاخها وأظواظها- عجزت عن ابتداع وصف مشابه للشهيد من المعاجم، ومثلها الأحزاب اليسارية، فأوصاف مثل الراحل والفقيد لا تجيزها أو تقوم مقامها، وإن اجتهدت في تعقيم الاستشهاد من المعاني الأخروية، كالاقتصاد في ذكر الجنة، أو تجنبها أحياناً، خوفاً من منافسة جنة الدنيا  الحلوة الخضرة النضرة وتجارتها، واستعارت عبارات مثل "السلام لروحه" من أديان أخرى، لتحاشي قراءة الفاتحة التي حلّ محلها دقيقة الصمت، وقد شاع مؤخراً دأب إيقاد الشموع، وتلك بدعة مبتدعة!

 ومن الفروق أنّ عبد الباسط الحديدي قضى نحبه وهو يرفع سلاحه دفاعاً عن أهله ودياره، فكأنه عمر المختار السوري، وأن صاحب اللقب الطويل الذهبي مات في سيارة محصنة بوسائل الأمان هي الأغلى في سوريا كأنها برج مشيد، لكنها لم تحرسه من الموت، ومن الفروق أن أحد الناشطين تذكّر طرد أريل شارون من المسجد الأقصى عندما طرد نصر الحريري من جنازة الساروت، وهي مقارنة ظالمة، وفهمها اللوم، والحريري سنّي، وتذكر كثيرون مي سكاف زميلة المظاهرات السلمية، وهي ليست سنيّة، أو هي هجناء، فهو بهذا غدا رمزاً وطنياً. وكان النظام مغتاظاً أشد الغيظ من "دويتو" الأناشيد مع الراحلة فدوى سليمان، وسكت إسلاميون على مضض على اجتماعهما في النشيد والنشيج!

 ومن الفروق أن عبد الباسط استشهد حقاً، وقد أُخرج من دياره بغير حق، وهو يرى الشهادة رأي العين، وأن صاحب الظل الطويل مات في سباق مع العرش، وتضمر أخبارٌ سبب موته، وهو السرعة وحرق المراحل حتى حرقوا البلد كلها حرقاً للمراحل. اُغفل سبب موت باسل. العقول التي أشرفت على إخراج مسرحية "الشهادة" طمست سبب الموت، لأنه سبب أقل شرفاً من الموت في الخندق كما ذكرنا، وقيل إنه كان ذاهباً لدورة رئاسية في ألمانيا، ليرث العرش الجمهوري، يتدرب فيها على حكمنا، وعلى حبسنا نصف قرن آخر، في بلاد الغرب الديمقراطية. وذكر لي عالم نازح أن الطائرة التي كان سيسافر بها، كانت مليئة بسبائك الذهب والتحف، وأخبار صحافية مسربة من أوروبا فضحت وقائع تزويجه من سيدة لاستحصال بقية حسابه البنكي في أوروبا، حسب الحيل القانونية التي تجيزها أوروبا، فخسر نصفها. وذكرت صحف أن ثروته كانت ثلاثة عشر ملياراً، وكانت الميزانية الوطنية السنوية ثلاثة مليارات لعشرين مليون فم سوري لا يفتح حتى عند طبيب الأسنان، والأسنان هي الأعمار.

ومن الفروق أن الساروت مات فقيراً، ليس له قبر، ألا قبر له بعد هذا التعب؟ مثواه وجدان شعبه، مات في المنفى، وهو عاشر عشرة مبشرين بالجنة، من شهداء أهل بيته، وكل شهيد مثواه الجنة، وإن الذين رثوه أو مدحوه أو بكوه لم يكن بهم طمع لجواز سفر أو كيس أسمنت أو رخصة سيارة أو مطعم.

ومن الفروق أننا بُكّينا المهندس المظلي وصاحب الظل الثقيل كرهاً، ودموع البصل غير دموع القلب، وعشنا أربعين يوماً مجبرين على الحزن، وكنا سعداء بموت الذي حبس الفارس عدنان قصار لأنه سبقه في سباق الفروسية، والذي حبس سائساً لأن جواده أصيب بالإسهال، كما سرّب لنا قريب للسائس.

بموت باسل توقفت الحياة في سوريا، فلا بيع ولا شراء، ولا أعراس ولا أفراح، وسكتت الإذاعة وخرست الدراما أربعين يوماً، وعشنا أربعين يوماً في البرزخ بين الحياة والموت، وباستشهاد الساروت عادت الحياة إلى الشعب السوري فهو عرس. الشهيد إنسان يتبرع بالدم لشعب كامل، كنا مصابين ولا نزال بفقر دم، ويفرِق الفقه بين شهيد الدنيا وشهيد الآخرة،  وتفرّق علوم الدنيا بين شهيد السلطة وشهيد الكرامة. كان الملوك الفراعنة يصطحبون معهم في موتهم حاشيتهم، فيقتلونها حتى يصحبوا أرواحهم معهم إلى العالم السفلي، وقد قُتلنا قتلاً رمزياً أربعين يوماً، بل أربعين سنة في العالم السفلي.

 ومن الفروق أن النشيد العراقي "جنّة جنّة" تحول إلى نشيد وطني جديد أو مثله، ولم يكن حي البياضة الأبيض الذي أتى منه الساروت جنّة، بل كان حياً عشوائياً، العروق الخضراء فيه قليلة، ويكاد يكون جحيماً، لكن جهنم بالعزّ أطيب منزل.

إن الذين كتبوا في رثاء الباسل الذي سُميتْ بإسمه نصف آثار سوريا ودوائرها الحكومية، وسميت بإسمه مساجد، ومطاعم، ونجتْ الملاهي من إسمه، كتبوها إما رياء أو نفاقاً أو إجباراً، أما نحن فكتبنا مراثينا حباً، فنحن عندما نرثيه نرثي الحرية ونرثي الوطن. وفرق كبير بين مراثي العبيد ومراثي الأحرار.

ومن فروق الرياضة، أن الفارسي الذهبي كان ينتزع الجائزة الذهبية بأفراسه الثمينة، في الوطن  السوري، فلم يكن الفارس الذهبي يجرؤ على المنافسة خارج الوطن، وتروى قصص عن "سنيدة" كانوا يخيفون أفراس المنافسين الضيوف، وخرج لنا متحدث غير رسمي يسوغ  استنكاف الفارسي الذهبي عن مباريات خارج الوطن لأن الأغرَّ وبقية خيوله الأصيلة تعتكر مزاجاً في السفر، وكان الفرسان العرب يأتون على خيولهم براً وبحراً وجواً، والفروسية من الأفراس، ومنها جاء وصف الفروسية والفراسة، نصفها للفارس ونصفها للفرس، وأن حارس المرمى فارس كامل ، نقتبس هذا التعريف لحارس المرمى من كتاب "كرة القدم في الشمس والظل": هو البواب والشهيد. ومن الفوارق أن الساروت استشهد وهو يريد فتح طريق للعالم، وأن قتيلهم أغلق الطرق حياً وميتاً.






شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها