آخر تحديث:02:55(بيروت)
الثلاثاء 11/06/2019
share

مصر: تصدير السلطوية

شادي لويس | الثلاثاء 11/06/2019
شارك المقال :
مصر: تصدير السلطوية من اعتصام أمام السفارة المصرية في الخرطوم (غيتي)
يوم الجمعة الماضي، وفيما كان رئيس الوزراء الأثيوبي، أبي أحمد، في الخرطوم، يعقد لقاءات مع ممثلين عن المعارضة السودانية ومع أعضاء المجلس العسكري المؤقت، بغية الوساطة بينهما، كانت إشاعات قد راجت في دوائر المحتجين عن مشاركة جنود مصريين في قمع الاحتجاجات السودانية مازالت متداولة. وقبل أسابيع، كانت الهتافات السودانية تستهدف السيسي بالاسم، وحين بدأ العصيان المدني للمرة الثانية، يوم الأحد الماضي، سرت شائعات جديدة بأن مصر أرسلت طواقم جوية وطيارين إلى السودان، لتحطيم الإضراب. 

من المستبعد أن يكون لتلك الإشاعات التي تفتقد لأي قرائن، أساس من الصحة. فإطلاق النار العشوائي على متظاهرين عزّل، لا يحتاج دعماً ميدانياً من مصر أو غيرها، فمليشيات الجنجاويد لها باع طويل في ممارسة القتل بشكل نظامي وواسع ولعقود. وفي ما يخص الإضراب، فإن شركة مصر للطيران، نفسها، بادرت بوقف رحلاتها إلى الخرطوم لأيام، حتى قبل أن ينطلق العصيان العام. لكن، وبغض النظر عن مدى صحة تلك الإشاعات، فإن الأهم هو دلالتها. فمصر لم تعد فقط النموذج المزري، والمآل المخيف الذي يُضرب به المثل في السودان، كما في الجزائر بل وحتى في ليبيا. بل نُصبت بسياسات نظامها عدواً للشعوب في دول الجوار والخصم الأول لطموحاتها. فبعد مذبحة فض اعتصام الخرطوم، يوم الإثنين الماضي، وُجهت أصبع الاتهام للنظام في مصر، وذهبت وسائل الإعلام الغربية إلى أن الضوء الأخضر صدر من القاهرة والرياض، وعُقدت المقارنات بين المذبحة السودانية ومذبحة "رابعة".

حافظت مصر، حتى في أوج الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه، على قدر معقول من المصداقية لدى الأطراف كافة. وكما كانت القاهرة مزاراً مرحبا بجونج قرنق وقيادات الجنوب، فإنها تعاملت مع البشير بكثير من المرونة، حتى مع تعالي الحروب الكلامية عبر الحدود حول حلايب وشلاتين. كان هذا في الماضي. لكن مصر تفقد اليوم جزءاً كبيراً من مصداقيتها وقدرتها على التأثير. ففي السودان لم يعد ممكناً لها أن تؤدي أي دور في الوساطة بين المجلس العسكري والمعارضة، سواء في إطار الاتحاد الإفريقي أو بشكل منفرد. وفي حال نجحت الاحتجاجات في إزاحة المجلس العسكري، فإن حكومة معبّرة عن الإرادة الشعبية في السودان لن تنظر لجارتها الشمالية بوصفها صديقاً، في الأغلب. وفي كل الأحوال، فإن قطاعاً واسعاً من السودانيين لن يروا في النظام المصري سوى خصم لهم.

ينقل موقع "مدى مصر" عن مسؤولين مصريين، القلق الذي يعتري القاهرة من الوساطة الأثيوبية. فالمصداقية التي يحظى بها رئيس الوزراء، أبي أحمد، والنموذج الإصلاحي والديموقراطي الذي تمثله حكومته، ربما له أن يؤدي دوراً في النهاية لصالح أديس أبابا، في خلافاتها مع القاهرة حول سد النهضة. فالسودان طرف أساس في أي اتفاق حول محاصصة مياه النيل. وفي ليبيا، كما في السودان، دعمُ مصر غير المشروط لخليفة حفتر ضد حكومة طرابلس المعترف بها دولياً، بالطبع لا يسمح لها أن تكون وسيطاً بين الأطراف المتصارعة، أو طرفاً نزيهاً تعول عليه أي جهود لحل الأزمة هناك. ولم يكن مستغرباً أن تُتّهم القاهرة بالمشاركة في إعطاء الضوء الأخضر لزحف "الجيش الوطني الليبي" نحو طرابلس، في إبريل الماضي، وهدم عملية السلام بالكامل.

سعى النظام المصري، خلال الأعوام القليلة الماضية، لتصدير نموذجه السلطوي، إلى دول الجوار، بوصفه معادلة الاستقرار الوحيدة التي يفهمها. ووقف التحالف الخليجي، بقيادة السعودية، وبرضا إدارة ترامب، وراء تلك الجهود، وضد أي بادرة لتغيير ديموقراطي في المنطقة. لكن هذا "التحالف العربي" الذي وصفه مقال في "فورين بوليسي"، مطلع الشهر الجاري، بأنه "كتيبة إعدام دائرية"، يطلق أعضاؤها النار على أنفسهم، لم ينجح سوى في مراكمة الخسائر، وزعزعة المنطقة أكثر، وتحول إلى نموذج للشر الخالص في عيون شعوبها، وأضحت دُوله محط اتهام عن حق أو عن غير حق، بعد كل مذبحة. لم تربح مصر الكثير حتى الآن، من حماسة نظامها لتصدير نموذجه القمعي، وفي المدى المتوسط يبدو أن خسائر تجارة السلطوية أكبر بكثير من مكاسبها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها