آخر تحديث:22:02(بيروت)
السبت 01/06/2019
share

قمم الرياض و"قمة" إسرائيل

بسام مقداد | السبت 01/06/2019
شارك المقال :
قمم الرياض و"قمة" إسرائيل
قد تكون "الصدف"هي التي تقف وراء التزامن في عقد القمم الثلاث في الرياض ، والإعلان في إسرائيل عن "قمة" تعقد لاحقاً في القدس ، تجمع مسؤلي الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل . ونسب نتنياهو فكرة اللقاء لنفسه وقال بأنه قد سبق له أن اقترح على كل من الرئيسين بوتين وترامب " تشكيل لجنة ثلاثية ، أميركية روسية إسرائيلية ، تجتمع في القدس لمناقشة الوضع في مجال الأمن في الشرق الأوسط ، ووافق الإثنان. إنه أمر لا سابق له " حسب نوفوستي.

إنه أمر لا سابق له فعلاً أن يهتف نتنياهو بذلك، وأن تصبح القدس المحتلة المكان الذي يعتمده الأميركيون والروس لمناقشة أمن الشرق الأوسط ، وأن يبادر رئيس وزراء إسرائيل إلى اقتراح جدول الأعمال المحصور ببحث "أمن الشرق الأوسط" . لكن الخواء ، الذي اتسمت به قمم الرياض ، والتي أتت تتويجاً لمسيرة عقود من خواء عمل الأنظمة العربية الحاكمة وانفصاله عن كل هموم الشارع العربي وهواجسه ، جعل "ما لا سابق له" هذا يصبح واقعاً .

قمم الرياض انتهت مع صدور بياناتها الختامية ، التي اعتاد عليها وتوقعها الشارع العربي ، ولم تفلح  سوى في تكثيف ضجيج هواجس أصحابها على أنظمتهم ، ولم تلامس أية قضية حقيقية تشغل شعوب المنطقة، والتي تدفع الدم والدمار في سبيلها . وقد تكون هذه الهوة العميقة ، التي تفصل بين قمم الرياض وهواجس شعوب المنطقة ، هي التي جعلت الإعلام الروسي يبدي هذا القليل من الإهتمام بها وبما أسفرت عنه من بيانات، لا تحتوي على هاجس فعلي سوى الهاجس الإيراني .

وعلى العكس من مقاربته شبه المتجاهلة للقمم المذكورة ، تلقف الإعلام الروسي بحماسة ملحوظة نبأ "القمة" اللقاء في القدس ، لما رآه فيها من عودة ينتظرها بفارغ الصبر للحوار الأميركي الروسي . وعلى عادة إعلام الكرملين ، لم تتسم بالكثير من التواضع ردة فعله المرحبة بالمبادرة . فقد كتبت صحيفة الكرملين "VZ" في 31 من الجاري مقالة بعنوان "ترامب يتوجه إلى موسكو بطلب المساعدة" ، قالت فيها أن شهر حزيران/يونيو سوف يصبح شهر المفاوضات المهمة في العلاقات الروسية الأميركية إذ ، إضافة إلى اللقاء الذي أعلن عنه ترامب بينه وبين بوتين في اليابان، سوف يلتقي أيضاً ممثلاهما الخاصان ، بولتون وباتروشيف .

وتستبق الصحيفة الشعور بالإستهجان الذي سيعتري قراءها الروس من مكان اللقاء وشراكة الإسرائيلي به ، تقول " لكن اللقاء سوف يجري في مكان وإطار غير اعتياديين أبداً  : في القدس ، وبمشاركة زميلهما الإسرائيلي". وتقول بأن لقاء نيكولاي باتروشيف وجون بولتون يزيل الشكوك حول لقاء بوتين وترامب في اليابان، ويجعل محادثاتهما على هامش قمة العشرين تكاد تكون مؤكدة . والمحادثات بين ممثلي الرئيسين سوف تجري بعد شهر من الآن، وفي القدس، التي لم يكن اختيارها مصادفة، إذ أن المحادثات سوف تتعرض ليس للقضايا الدولية الأساسية فحسب، بل سوف تتطرق إلى قضايا الأمن في منطقة الشرق الأوسط، حيث سيشاركهما رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شابات .

وتعود الصحيفة إلى مسألة مكان اللقاء ومشاركة الإسرائيلي فيه ، لتؤكد أن "مثل هذا الإطار الثلاثي فريد من نوعه فعلاً" ، لكن نتنياهو ، وببساطة، يبالغ ليس فقط في أهميته فحسب، بل وبمكانة إسرائيل في السياسة الدولية. فاللقاء الجديد مهم، بالدرجة الأولى، كعنصر من عناصر العلاقات الروسية الأميركية و"اللعبة الكبرى" بين ترامب وبوتين ، إذ أن إطار بولتون باتروشيف ، هو القناة الأساسية في اللحظة الراهنة في مفاوضات موسكو وواشنطن. فقد أثبت هذا الإطار في اللقاء السابق قدرته على العمل ، وليس في كون السياسيين تمكنا من الإتفاق على أمر ما ( حتى لو اتفقا ، فلن نعرف بذلك ، على قولها) ، بل لأنهما تمكنا من مناقشة جميع الأمور المهمة للبلدين بالتفصيل.

وبعد أن تدخل الصحيفة في نقاش خلاف تفترض وجوده بين ترامب وبولتون ، أدى إلى إبعاد الأخير عن الملف الروسي في السياسة الخارجية الأميركية بسبب تشدده في مقاربة الملف، وتسليمه إلى بومبيو ، تستدرك بأن بولتون مهما كان صقراً أو حمامة ، فالأمر يعود لترامب في النهاية. وتقول بأن إطار باتروشيف بولتون يثبت بأنه مطلوب ولا بديل له ، وثلاثية الإطار بحضور الإسرائيلي لا تستثني ، برأيها ، اللقاء الثنائي بين الرجلين، وتؤكد أن المحادثات الثلاثية سوف تتناول الموضوع الشرق الأوسطي، الذي يتشعب ليطال "أكثر من نصف" جدول يوميات السياسة الدولية .

وترى الصحيفة أن إيران تأتي في طليعة الموضوعات التي سيتناولها اللقاء الثلاثي ، والتي ينبغي بلورة المواقف بِشأنها قبل مطلع تموز/يوليو القادم ، حيث ينبغي معرفة ما إن كانت طهران ستلغي جزءاً من تعهداتها في الصفقة النووية ؛ وما إن كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على من يستمر في التبادل التجاري مع طهران، الخ. وتؤكد الصحيفة أن موسكو تحاول بجميع الأشكال إقناع واشنطن بالتوقف عن توتير الوضع حول إيران، وتقول بأن باتروشيف سوف يعدد لبولتون من جديد التهديدات الأساسية ، التي سيصطدم بها الأميركيون في حال الإستمرار في تكثيف الضغط على طهران .

وتأتي القضية السورية في المرتبة الثانية بعد إيران، وتقول الصحيفة أن الأميركيين يريدون الحديث عن التأثيرات التي تتركها إيران على علاقاتهم مع تركيا، ومع السعودية ، والوضع في العراق ، وعلى مجمل سمعة الأميركيين في العالم العربي ككل.

أما القضية الثالثة ، التي تفترض الصحيفة حضورها على جدول أعمال اللقاء، فهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي ككل ، وترجح بأن الأميركيين سوف يعرضون خطتهم للتسوية "صفقة القرن" ، وسطلبون من روسيا  "على الأقل ألا تعارضها بشدة" . ومع أن روسيا معنية بتسوية هذا النزاع ، إلا أنها لن تساير ترامب في عراضاته الدعائية . وتقول بأن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لن يتمكنا من الموافقة على هذا المخطط ، وسوف تكون القدس موضوع الخلاف المبدئي بينهما .

من جهتها تقول صحيفة "NG" الروسية ، التي تصف نفسها بالمستقلة، أن "إسرائيل تشكل من روسيا والولايات المتحدة تكتلاً معادياً لإيران" ، وتفترض أن القدس تصبح مكاناً لحوار موسكو مع واشنطن. وتقول بأنها المرة الأولى، التي تعقد فيها روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل محادثات ثلاثية لمناقشة قضايا الأمن في المنطقة، وليس من المعروف حتى الآن سوى مكان هذه المحادثات ، وبأنها سوف تجري في حزيران/ يونيو. وتشير إلى أن الجانب الأميركي كان أول من أعلن عنها، وأكدت روسيا مشاركتها في إطار "غير اعتيادي بالنسبة لها" . وتقول الصحيفة أن المحادثات سوف تركز على الآثار المترتبة على السياسة الإيرانية الخارجية، طالما أن القضية الفلسطينية هي الآن "على هامش" جدول اهتمامات المنطقة.

وتنقل الصحيفة عن كسينيا سفتلوفا ،العضو السابق في لجنة السياسة الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي افتراضها بأن القدس تصلح لتكون مكاناً للحوار الروسي الأميركي ، خاصة أن إسرائيل تلعب منذ "زمن طويل مركزاً لتبادل المعلومات والرسائل" بين الطرفين . وتقول هذه الإسرائيلية الروسية المعروفة بإجادتها اللغة العربية واهتماماتها الإستشراقية ، ان المهم بالنسبة لإسرائيل توصل كل من روسيا والولايات المتحدة إلى تقارب ما بشأن الوجود الإيراني في سوريا ، وأن إسرائيل مستفيدة من أن تتحول إلى وسيط دبلوماسي بين الطرفين، وأن التوافق بين الدولتين العظميين، هو بمثابة "حجر الزاوية في أمن إسرائيل" .

بينما كانت قمم الرياض تعقد اجتماعاتها ، وتنتهي "مفاعيلها" مع  صدور بياناتها حول أمن المنطقة والمخاطر المحدقة بها، وحول قدسية القدس بالنسبة للمشاركين بها ، كانت إسرائيل تتعمد إعلان القدس مكاناً لمفاوضات روسية أميركية إسرائيلية تبحث شؤون أمن المنطقة  ، وتتبرأ في "غفلة" من أصحاب القمم من كونها أحد أبرز التهديدات المحدقة بهذه المنطقة .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها