آخر تحديث:06:44(بيروت)
السبت 01/06/2019
share

أمل عرفة نموذجاً

عمر قدور | السبت 01/06/2019
شارك المقال :
أمل عرفة نموذجاً انترنت

في عام 1990 كانت أمل عرفة، برفقة جوليا بطرس وسوسن الحمامي، تغني أغنية "وين الملايين"، في حفلة في طرابلس الليبية. الأغنية تتساءل: وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟ والمقصود طبعاً استنهاض الشعب العربي "المتخاذل" نصرة للقضية الفلسطينية، ويمكن "باسترجاع ذلك التسجيل" رؤية المغنيات الثلاث يتبارين في إظهار انفعالاتهن، ومن ذلك أن ترفع أمل عرفة قبضتها أثناء الغناء بنوع من الحماس الفائض. تلك لم تكن المناسبة الأولى لأمل عرفة في ليبيا، فقد شاركت من قبل بإحياء حفلات ضمن ما كان يُعرف باحتفالات ذكرى الفاتح من أيلول، الاحتفالات التي كان يُصرف عليها وعلى ضيوفها ببذخ شديد، وقد تفاجئنا العودة إلى أرشيف التلفزيون الليبي برهط الفنانين العرب الذين كانوا ضمن قائمة المشاركين، على الرغم من سمعة القذافي التي ربما كان أفضل ما فيها شهرته كمهرج دون أن يقصد.

رغم صغر سنها، كانت أمل عرفة قد اعتادت الظهور الإعلامي، بالأحرى كانت طفلة في أول مشاركة تلفزيونية غنائية لها بعنوان "حمام القدس-1982"، أي من البوابة الفلسطينية نفسها، ثم لن تتأخر في تسجيل أول أغنية، بمشاركة فهد يكن وبعنوان "صباح الخير يا وطناً"، من ألحان أبيها سهيل عرفة. الأب تعرفه أجيال من السوريين لكثرة ظهوره على التلفزيون السوري، وهو قد تدرّج مع مزاج السلطة، بدءاً من تلحين أغنيات تمتدح البعث، مروراً بأغنيات تحتفي بالحركة التصحيحية، وصولاً إلى أغنيات تمجد حافظ الأسد. الأرشيف القديم للرجل لا يخلو من ألحان جيدة، ومن ألحان قليلة جداً غناها مطربون عرب مثل وديع الصافي وشادية إلا أنها ليست في قائمة أغانيهم المشهورة، ولعل الأكثر توفيقاً بينها كانت أغنية "عالبساطة" لصباح. على أية حال، لا بسبب تلك الألحان منح بشار الأسد الملحن الراحل وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة عام 2007، وهو ظل حتى وفاته مخلصاً لمواقفه، بما فيها إشادته بقوات الأسد التي كانت قد بدأت إبادة السوريين بعد اندلاع الثورة.

لم يُعرف عن أمل عرفة موقف سياسي يخالف مواقف والدها، ونستطيع القول أنها بقيت وفية لمسارها الشخصي والعائلي، وتداخلهما معاً فضلاً عن اشتباكهما العريق والمتواصل بأهم أدوات الأسدية، أي الإعلام. على ذلك يبدو من المبالغة شعور الصدمة الذي أحدثه ظهورها مؤخراً في مسلسل يسخر من ضحايا هجمات قوات الأسد بالسلاح الكيماوي، أو يمكننا وصف ما حدث بأنه نتيجة سوء فهم لا تتحمل هي مسؤوليته، طالما لم تدّعِ يوماً وقوفها في الجهة التي وضعها فيها قسم من الجمهور السوري بلا دراية منها.

لأسباب غير فنية يمكن التنويه بالمستوى الفني الرديء جداً للمشاهد التي أثارت الضجة، وكأنما لا يستوي أن تأتي السخرية الوقحة من آلام الضحايا "والأطفال تحديداً" إلا بمستوى فني هابط. بل لا نغامر إذا ذهبنا أبعد من ذلك بالقول أن الهبوط الفني هو على مثال هبوط الأسدية، إذ لا يستقيم النطق باسمها من دون مجاراتها في ما آلت إليه من انحطاط.

ينطلق الذين صُدموا بسخرية الكيماوي من دوافع ذاتية نبيلة مفارقة للواقع، وبعضهم غير متطلِّب، بمعنى أنه لا يطالب أمل عرفة وأمثالها بمواقف سياسية أو أخلاقية تتعدى عدم الاستهانة بأرواح الضحايا. المشكلة في سقف التوقعات هذا مخالفته لطبيعة الأسدية، فالأخيرة لا تقبل من مواليها إلا الرضوخ والتماهي التامّين معها، بما في ذلك الاستهتار بكافة القيم الإنسانية. إن وجد تفريق بين الرضوخ والتماهي، فالأول يتخذ صفة الإرغام لدى شريحة صامتة لا حول ولا قوة لها، أما "الشريحة الناطقة" فلا يُسمح بوجودها أصلاً إلا على شاكلة الأسدية، ولو كانت الأخيرة تقبل أقل أشكال التمايز عنها لما أوصلت البلاد إلى الوضع الذي نعرفه.

لن تكون مصادفة أن تنشر أمل عرفة ما يشبه اعتذاراً عن سخرية الكيماوي، فيه من الركاكة ما يوازي دورها في المهزلة. تكتب عرفة: لو أننا كممثلين عرفنا كيف سيتم مونتاج هذه اللوحة، وربط الأحداث ببعضها سيكون على هذا الشكل، لكنا طالبنا بعدم عرضها من الأساس. إذا أخذنا هذا الكلام على علاته فنحن أمام نوع من الإنتاج الفني غير موجود سوى في مزرعة الأسد، نوع يصور فيه الممثلون أدواراً بدون دراية بالنص الذي يمثلونه والحبكة التي ستُقدّم من خلالها أدوارهم، وكأنهم مجرد قطع ميكانيكية في آلة ضخمة للإنتاج. معرفتنا بصناعة الدراما السورية، وكيف تسيطر عليها شركات إنتاج مملوكة لأثرياء السلطة، أو كيف أصبحت صناعة الدراما بديلاً عن فنون مثل السينما والمسرح، هذه المعرفة كلها لا تبيح لنا توقع ما تكشفه أمل عرفة عن التصوير بالقطعة!

تؤكد عرفة مرتين على أنها تكتب "اعتذارها" من دمشق وليس خارجها، لتؤكد على قدرتها على القول أنها لا تستهين بأوجاع الآخرين من قلب دمشق، وتلك إما شجاعة ينبغي أن تُحسب لها، أو دلالة على هامش من الديموقراطية ينبغي أن يُحسب لسلطة الأسد! لكن الأسدية تطل من خلال التأكيد كأنما لتقول أن من غادروا سوريا غادروها بمحض مزاجهم ورغباتهم، بمن فيهم زملاؤها من الفنانات والفنانين، على قلة من اتخذ منهم موقفاً معارضاً. بعد الاستهتار بضحايا الكيماوي، تستكمل عرفة في سياق اعتذارها المزعوم ما لا تستطيع أن تحيد عنه بحكم موقعها فتستهتر ضمناً بمعاناة أولئك الذين اضطروا إلى اللجوء، ليصبح نزوحهم تمثيلية تشبه ترويج أخبار "كاذبة" عن استخدام الأسد السلاح الكيماوي. إننا، في صلب مشهد التهريج الكيماوي الذي أدته، لا نجد حتى دعاية تخدم الأسد بقدر ما نجد التشفي بالضحايا، وبقدر ما يُثبت المشاركون في العمل أنهم ليسوا أقل استعداداً لارتكاب المجزرة من أولئك الذين أطلقوا الصواريخ المحملة بالكيماوي.

نفترض أن أمل عرفة كانت قادرة على الاعتذار عن المشاركة في التنكيل بضحايا الكيماوي، وأنها قبل ذلك "تجنباً لأية ضغوط" كانت قادرة على الابتعاد جغرافياً عن العصابة، ولو من باب الحفاظ على إنسانيتها بدون تسجيل أي موقف سياسي، بدل المتاجرة ببقائها لا في دمشق وإنما في ظل عصابة الحكم. لكنها بإرادتها شاءت أن تقدم لنا نموذجاً منسجماً مع ذاته عن الموالي، فكانت وفية حقاً لما نشأت عليه، بما في ذلك عدم تذكر الشعوب إلا لتقريعها في معرض المتاجرة بقضية فلسطين. قد تستنكر أمل عرفة الانتقادات الموجهة إليها، وقد تلعب دور المظلومة، بل قد يكون إحساسها صادقاً جداً طالما أنها تنظر إلى نفسها في المرآة ذاتها، مرآة الأسدية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب