آخر تحديث:11:35(بيروت)
الأربعاء 29/05/2019
share

"إحراجات" روسية في إدلب

بسام مقداد | الأربعاء 29/05/2019
شارك المقال :
  • "إحراجات" روسية في إدلب
  • إحراجات روسية في إدلب
    إحراجات روسية في إدلب
لا أعتقد أن أحداً سوف يثير العنوان لديه التباساً حول "الإحراجات" الروسية في إدلب. فهي ، بالتأكيد ليست إحراجات حيال ما يتعرض له المدنيون من ويلات المعركة الراهنة ، ولا تشمل ما تحدثت عنه في جلسة مجلس الأمن ، الثلاثاء ، مساعدة الأمين العام  للشؤون الإنسانية حول قصف المستشفيات والعيادات والمدارس وتجمعات المدنيين في إدلب. ولعل ما جاء في كلمة نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين في الجلسة تلك يوضح بعض جوانب هذه "الإحراجات" حيال ما يقوم به الطيران الروسي والمرتزقة الروس في المعركة ، التي يخوضونها في إدلب الآن . فقد وعد فرشينين بألا تتحول إدلب إلى رقة جديدة ، كما فعل بها التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة ، برأيه ، وألا تسوى بالأرض ، لأن المعركة الراهنة "ليست عملية عسكرية واسعة النطاق".

ويشير حضور سيرغي فيرشينين جلسة مجلس الأمن المخصصة للتداعيات الإنسانية المترتبة على معركة إدلب ، إلى الأهمية البالغة ، التي توليها روسيا للدفاع عن نفسها بوجه اتهامات المجتمع الدولي لها بارتكابات صارخة بحق المدنيين السوريين منذ انخراطها في المقتلة السورية. ولم يتخل الرجل ، خلال الجلسة تلك، عن ما درجت عليه روسيا منذ بداية المأساة السورية عن اعتبار السوريين المناهضين لنظام الأسد "إرهابيين، أو أسرى للإرهابيين". وقال في رده على تساؤل ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة حول ما الذي ينبغي القيام به من أجل حماية السكان المدنيين في إدلب "أنا أيضاً لدي سؤال : ما الذي على مجلس الأمن القيام به ليكف ملايين الناس في إدلب عن كونهم أسرى للإرهابيين ؟" ، واعتبر ان "هيئة تحرير الشام" تسيطر على 99% من إدلب .

"الإحراجات" الروسية في معركة إدلب، لا علاقة لها بالجانب الإنساني للمعركة ، إذ لم تجد روسيا على امتداد المقتلة السورية منذ العام 2011 ، من حرج في احتضان جرائم النظام بحق السوريين ، والدفاع عنها بوجه العالم بأسره ، قبل أن تصبح هي نفسها شريكة مباشرة في هذه الجرائم . ولم تكن تلتفت إلى هذا الجانب من المقتلة السورية ، إلا في سياق حملاتها من البروباغندا الدبلوماسية ، أو حين يقتضي الأمر حماية أحد "منجزاتها" السورية في تثبيت صورتها "دولة عظمى" عائدة من جديد إلى الشرق الأوسط والعالم ككل. ومما لا شك فيه أن "الإنجاز التركي" يشكل أحد الإنجازات الروسية الرئيسية في سوريا، إذ نجحت في نسج علاقة مع تركيا، لم يكن ليحلم بها الإتحاد السوفياتي، لا على الصعيد الإقتصادي، ولا على صعيد "إبعاد" تركيا عن الولايات المتحدة والغرب بتصدير السلاح إليها.

تتظاهر روسيا بأنها قد فوجئت بدعم تركيا للمعارضة السورية في معركة إدلب ، ولم تكن "تتوقع" منها مد المقاتلين السوريين بالسلاح الثقيل لمساعدتهم للوقوف بوجه قصف طيرانها وهجمات مرتزقتها المندمجين مع قوات النظام. ووجدت تفسيرها الخاص لأنباء الوكالات الغربية حول هذا السلاح ، واعتبرتها "أنباء كاذبة"، يهدف من ورائها الغرب للثأر من صفقة صواريخ S-400 مع تركيا. فقد كتبت صحيفة الكرملين "VZ" في 26 من الجاري مقالة بعنوان "من سلح المقاتلين المهاجمين في سوريا" ، تساءلت فيها ما إن كانت تركيا، عبر تصدير السلاح الثقيل إلى المقاتلين السوريين ، تفتعل خلافاً مع موسكو ، أو أن الأنباء عينها كاذبة .

وتعتبر الصحيفة أن معركة إدلب الراهنة، هي معركة مصيرية في تقرير مصير "الدراما السورية" ، وتقول بأنه كان المنطقي ألا تتدخل فيها، أو على الأقل، ألا تقدم على هذا الدعم المكثف للمقاتلين، الذين يحاربون ضد دمشق . وكان حرياً بأنقرة ، برأيها ، أن تلجم تلك المجموعات ، التي تستطيع أن تؤثر عليها ، سيما أن المنطقة منزوعة السلاح في إدلب نشأت نتيجة الإتفاق، الذي تم توصل إليه بين بوتين وإردوغان السنة الماضية .

وتذكر الصحيفة بتصريح وزير الخارجية التركي في 15 الشهر الجاري عن عزم موسكو وأنقرة تشكيل مجموعة عمل حول إدلب، وتأكيده في التصريح عينه، أن تركيا ليست عازمة على تأجيل صفقة شراء الصواريخ S-400. لكن لم تمض سوى عشرة أيام على هذا الكلام، حتى وردت أنباء دعم تركيا للمعارضين السوريين في قتالهم ضد الجيش السوري المدعوم من روسيا .

لكن صحيفة الكرملين لا تذهب بعيداً في عتبها على تركيا ، بل تفترض احتمال وجود اتفاقات ما بين روسيا وتركيا بشأن تقدم الجيش السوري في منطقة إدلب، على غرار ما حصل سابقاً بشأن استعادة الجيش السوري قاعدة أبو ضهور، حيث كان يوجد سيناريو منسق بين روسيا وتركيا بشأن تقدم القوات الموالية للنظام في عمق منطقة إدلب. لكن الصحيفة تقول ، نقلاً عن الخبير الروسي الذي تنقل عنه افتراض وجود مثل هذا الإتفاق، أن تقدم القوات السورية إلى أبعد مما كان متفقاً عليه في حينه، جعل تركيا تعيد الفصائل ، التي سحبتها إلى المواقع ، التي انسحبت منها . ولهذا يقول هذا الخبير ، أن ما يحدث الآن في إدلب قد يكون شبيهاً بالسيناريو ذاك ، وتتطور الأحداث ليس وفقاً لما هو متفق عليه ، إذ ينطوي هجوم الجيش السوري على خطر يتمثل في عدم وضوح أهدافه .

وتنقل الصحيفة عن الخبير عينه قوله باحتمال وجود سيناريو آخر مختلف لمعركة إدلب ، يفترض أن التطور الراهن للمعركة هو نتيجة توافق محتمل بين أنقرة وموسكو على إلغاء مناطق محددة في إدلب (المنطقة منزوعة السلاح ؟) ، لا تستطيع أنقرة الإعتراف علناً بانها تتخلى عنها للجيش السوري ، لخشيتها من فقدان نفوذها وسط السوريين السنة والمعارضين. ويقول هذا الخبير، أن النقاط التي سوف يبلغها الجيش السوري وسط "الفوضى" السائدة الآن في إدلب ، قد تم الإتفاق عليها بالمفاوضات منذ زمن بعيد .

وتنقل الصحيفة عينها عن خبير آخر قوله ، أن الأنباء التي نقلتها رويترز وسواها من الوكالات الغربية عن مد أنقرة المعارضة السورية بالسلاح ، هي "أخبار ملفقة"  تهدف إلى "تخريب العلاقات التركية الروسية، وتشويه سمعة تركيا بالنسبة لروسيا ، وزعزعة الوضع في سوريا وإعادة تركيا إلى حضن التحالف الغربي" .

لكن الصحف والمواقع الروسية الأخرى لا تجد نفسها مضطرة إلى التلطى وراء كل تلك الفرضيات ، التي "تضطر" صحيفة الكرملين للجوء إليها لتبرير "إحراجات" الكرملين أمام السلوك التركي في تسليح المعارضين في معركة إدلب الراهنة . بل تتحدث مباشرة عن المعركة وسرد وقائعها وتقييم مدلولاتها الصريحة والواضحة. يقول موقع "Russ.vesni" في 26 من الجاري على لسان مراسله الخاص إلى أرض المعركة ، أن "المقتلة السورية مستمرة "، وزجت روسيا في المعركة بمجموعة خاصة من مقاتلي الشركات العسكرية الروسية الخاصة في المعركة (المرتزقة)، التي تعمل "تحت أنف المقاتلين"، على مسافة لا تبعد أكثر من 300 متر عن خط القتال، ويرفق المراسل رسالته بشريط فيديو ومجموعة صور عن المجموعة تلك المختلطة مع مقاتلي الجيش السوري .

أما صحيفة "SP" فتقول بأن "تركيا حشرت روسيا في المازق السوري " ، وأنه يستحيل إنهاء الحرب الأهلية السورية دون التسلح بتعاون تركيا في ذلك . وتقول بأن المعارك ، التي تدور في إدلب الآن ، هي الأشد دموية منذ انتهاء المعارك الكبرى في سوريا . وتقول صحيفة "NG" ، أن المرتزقة الروس يشاركون مجدداً في الحرب السورية ، وترى أن تركيا تساعد المقاتلين السوريين بالسلاح علناً في ظل دعم الولايات المتحدة .

يبدو واضحاً أن معركة إدلب ، ليست نهاية المقتلة السورية ، بل هي واحدة من معارك طريق النهاية، وكلما اقتربت هذه المقتلة من نهاية ما لها، كلما تكشفت الصراعات المستترة بين مصالح الإحتلالات الأجنبية لسوريا، وكلما بدت ساذجة وعبثية مناورات هذه الإحتلالات في إخفاء صراعاتها ومصالحها الحقيقية خلف "إحراجات" مثيرة للسخرية .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب