آخر تحديث:15:18(بيروت)
السبت 25/05/2019
share

ما بعد الحفلة

محمد خير | السبت 25/05/2019
شارك المقال :
ما بعد الحفلة
شديدة التهذيب كانت هتافات تلاميذ الثانوي في مصر احتجاجاً على تخبّط نظام الامتحانات الجديد، إذ لم تزد عن عبارات ناقدة على غرار "نظام تعليمي فاشل"، وكان أشدها "يسقط يسقط طارق شوقي (وزير التعليم)"، وأكثرها مرارة "ياللي بتسأل احنا مين، إحنا الطلبة المظلومين".

هتافات مهذبة لكن دويّها كان مفاجئاً، بعد سنوات من تغييب الهتاف، ويُلاحظ حجم المفاجأة من غياب قوات الأمن المركزي التي تحتشد عادة لتستبق أيّ حراك محتمل. لكن، هذه المرة، وإزاء هتافات التلاميذ الصغار (يعادل الصف الأول الثانوي سن 15 عاماً)، لم يكن ثمة سوى رجال الشرطة العادية، بأزيائهم البيضاء التقليدية، مع بعض رجال المباحث بالزيّ المدني. وربما تبدت المفاجأة أيضاً في عصبية رد الفعل البوليسي، الذي أظهرته مقاطع الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي لم يفرّق تقريباً في شدته بين تظاهرة سياسية "خطيرة"، وبين أولاد وبنات صغار، ببنية نحيلة وأصوات رفيعة وشوارب خضراء. فكان القبض والخطف والاحتجاز، قبل أن يتم الإفراج عنهم ليلاً "حرصاً على مستقبل الطلبة واحتراماً لحقوق الإنسان"، حسبما نسب الإعلام إلى "مصدر أمني". ثم لا يلبث أن يقرر شخص ما، أن الحل الأنسب هو نفي الأمر برمته. فنشرت الوكالة الرسمية في اليوم التالي إن أحداً لم يُقبض عليه، وأن كل التسجيلات في مواقع التواصل، قديمة أو مفبركة! باختصار: لقد قررنا أن ما رأيتموه.. لم يحدث.

غير أنه، على العكس من روايات الواقعية السحرية حيث يمكن للحكومات أن تعيد الساعة حرفيا إلى الوراء، أو تحذف من التاريخ بعضه، يضطر تلاميذ الثانوي في مصر – قبل النفي الرسمي وبعده – إلى مواصلة الامتحانات يومياً، ومواجهة المشكلات نفسها مجدداً، نتيجة تطبيق نظام تعليمي جديد طموح وضروري، لكن لم يتم التجهيز له لوجستياً، ولم يتم اختباره أولاً على عينة محدودة، ولم يُفتح للنقاش المجتمعي. إنه مثل كل "الإنجازات" التي تؤسسها النظم اللاديموقراطية: مظهر لامع وعناوين براقة، ثم آلاف المشكلات في التطبيق العملي.

هكذا، وزعت وزارة التعليم مئات الآلاف من أجهزة "التابلت" على التلاميذ، طوّرت المناهج، صممت الامتحانات ليتم حلها إلكترونياً، لكنها نسيت شيئاً بسيطاً: تجهيز منصة الانترنت كي لا تنهار تحت ضغط استخدام نصف مليون تلميذ في الوقت نفسه.

تبحث السلطوية أولاً عن الصورة، عن لقطة الافتتاح والتصفيق، عن الإنجاز "الباهر" و"التحديات" والأرقام القياسية والمنشآت التي تسجّل في موسوعة غينيس، عن مانشيتات التطوير والإصلاح.. ثم لا تهتم كثيراً لما بعد انفضاض السامرين وخلوّ الحفلة، لا تحب ملل التجريب وتدريجية الإنجاز ومعالجة الشكوى، ولا تريد أن يشاركها الخبراء "دخول التاريخ". تتصور أنها يمكن أن تخرج من المشكلات فجأة، على طريقة الـ"ريمونتادا"، اللفظة الإسبانية التي تعني "العودة"، والتي تشير في قاموس كرة القدم إلى تحقيق عودة شبه مستحيلة بعد تأخر كبير. غير أن السلطويات التي تحب كرة القدم كثيراً، وتحرص عل التقرّب من نجومها، تنسى أن البناء الوطني، حتى في أبسط جزئياته، ليس مباراة من 90 دقيقة، بل هو عمل كل يوم، وهو التجربة من أجل الناس لا التجريب في الناس، وأن تطوير نظام التعليم "ليعتمد على الفهم بدلاً من الحفظ" لا يمكن أن يتسق مع هراوة رجل الأمن، إلا إذا كان مقصوداً أن يرى الطالب الهراوة، فيفهم كل شيء.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد خير

محمد خير

صحافي وكاتب مصري

مقالات أخرى للكاتب

حكاية أسما والشيخ السبت 09/11/2019
الموت قفزاً السبت 02/11/2019
المطر يقتل السبت 26/10/2019
فراعنة.. أين الذهب؟ السبت 19/10/2019
المزيد