آخر تحديث:08:11(بيروت)
الخميس 23/05/2019
share

أي حرب للخليج تريدها روسيا

بسام مقداد | الخميس 23/05/2019
شارك المقال :
أي حرب للخليج تريدها روسيا
لايزال حدث الخليج يتوالى فصولاً ، ويمسك بانفاس العالم رهينة توقع ما سيحدث في اللحظة التالية. وتعكس خلفية الصورة الآتية من هناك جميع صراعات المنطقة وحروبها المتفجرة ، بما فيها المقتلة السورية، وأخذت ملامح هذه الصراعات والحروب وتعقيداتها تبرز في ثنايا عمامة خامنئي ، أو في تموجات تسريحة دونالد ترامب . الكل مشدود إلى الحدث ، ولاعبون كثر ينخرطون فيه ، وكل منهم يرى الصورة بمنظاره ، ويحاول إمالة العمامة نحوه ، أو تسوية التسريحة لتنسجم مع ملامحه.   

قد تكون الملامح الروسية ، هي الأكثر بروزاً في خلفية الصورة ، والكل يجمع بأن الحدث الخليجي مفيد لموسكو. تنقل إذاعة "الحرة" الناطقة بالروسية عن المستشرق والخبير العسكري السياسي ميخائيل مجيد قوله بأن الحدث الخليجي مفيد جداً للكرملين، إذ سيتسبب بارتفاع اسعار النفط ، مما يعني المليارات ، بل وعشرات المليارات الإضافية للخزينة الروسية. ويقول بأن إيران سوف تخرج من سوق النفط ، وتتقاسم مكانها كل من روسيا والسعودية ، اللتين تمران راهناً في مرحلة من التعاون ، يتيح لهما تقاسم الأسواق والمستهلكين الذين لم يعد باستطاعهم شراء النفط من إيران. ويقول بأن الأزمة الراهنة تساعد على احتفاظ روسيا بتبعية أوروبا لها في مجال النفط، الذي تستورد منه 30 % من روسيا ، ولم يعد بوسعها استبداله بالإيراني بعد "صفقة النووي". لكن الجانب الأهم من أزمة الخليج، الذي تفيد منه روسيا، يراه المستشرق في تورط الولايات المتحدة الجديد في الشرق الأوسط ، مما يتيح لروسيا إطلاق يدها في الإتجاهات الأخرى في المنطقة .

لا يخفي المسؤولون الروس انحيازهم العلني إلى جانب إيران في هذا الصراع ، لكن هذا لا يعني أنهم سيسارعون إلى الوقوف إلى جانبها في حال تطوره إلى نزاع مسلح . يقول المستشرق هذا ، أن الكرملين سوف يكثر من التصريحات الغاضبة ، وسوف يتحدث باستمرار عن مسؤولية الولايات المتحدة في إسقاط الإتفاقية مع إيران ، لكن الأمر لن يتعدى التصريحات، ولن تبادر روسيا إلى التدخل في هذا الصراع .

تشير تطورات الأيام الأخيرة إلى أن طرفي النزاع المباشرين ليسا بوارد الإصطدام المسلح ، بل يقتصر الأمر على مشهد من عض الأصابع، أو ما تسميه صحيفة "هآرتس"الاسرائيلية "من ترمش عينه أولاً". لكن يبدو مما يعكسه الإعلام الروسي، الذي يدور في فلك الكرملين، أن مثل هذا السيناريو لتطور الصراع لا يتوافق مع ما تأمله من كستناء من اللهيب الخليجي، في حال اندلاعه. وهي ، وإن كانت قليلة الحيلة في ما يتعلق بالجانب الأميركي، إلا أنها لن توفر وقوداً، كما يبدو، لتضعها في الموقد الإيراني، كي لا يخمد لهيب هذا الصراع. فقد أعلنت صحيفة القوميين الروس "SP"، شديدي الحماس للموقف الإيراني ، أن سفينة الشحن العسكرية الروسية "إسبارطة 2" قد وصلت إلى إيران في 21 من الشهر الجاري ، وهي محملة بعتاد عسكري مجهول . وتستدرك الصحيفة بالقول، أن السفينة المذكورة قد اعتادت في السنوات الأخيرة على نقل العتاد من الموانئ الروسية إلى سوريا، إلا أنها قد تكون نقلت هذه المرة أنظمة دفاع جوية وصواريخ مجنحة مضادة للسفن.

وكانت الصحيفة عينها قد رأت في مقالة سابقة ، أن الشرق الأوسط ينزلق مسرعاً نحو حرب عالمية ثالثة، وليس أقل، وأن الولايات المتحدة وإيران تهددان بإغراق المنطقة في فوضى دموية ، تبدو معها الحرب السورية بالنسبة للبشرية "صراعاً مسلحاً متواضعاً". ونقلت عمن تسميه خبيراً في شؤون الشرق الأوسط ، وكبير الباحثين في معهد الإستشراق الروسي ميخائيل روشين ، قوله بأن ما يجري الآن في الخليج  يقتصر على التهديدات المتبادلة، ولا يشير إلى أن الأميركيين مستعدون للحرب الآن. ويقول أنه إذا ما قرر الأميركيون دخول إيران برياً، فلن يكون الأمر نزهة، كما كان الأمر عليه في غزو العراق، حيث تمكن الأميركيون من "شراء" الجنرالات العراقيين، بمن فيهم آمر حامية بغداد .

ويبدو روشين واثقاً من أن هذا لن يحدث في إيران، وأن القصف الجوي لإيران، أو الحرب في البحر  سوف تؤدي إلى الإجتياح المباشر للأراضي الإسرائيلية من قبل القوات الإيرانية وحزب الله . ويرى أن إيران قد بينت ما يمكن أن تسفر عنه الحرب البحرية في الخليج، وهو ما جعل الرؤوس "الحامية" في واشنطن تهدأ إثر ذلك. ويؤكد أن ترامب، وبعد أن تخلص من هجمات الديموقراطيين الأميركيين عليه، ليس من صالحه الدخول في مغامرة يائسة في إيران، إذ ستصبح بمثابة انتحار سياسي له، ولذلك  يكتفي باستخدام تكتيكه الكلاسيكي في الخداع والتهديد حيال إيران .

من جهتها ، ترى صحيفة "NG" ، التي تصف نفسها بالمستقلة ، بأن واشنطن أعلنت الحرب الشاملة على إيران، أو ما يسمى "الحرب الهجينة"، وأن الأسطول الأميركي في الخليج باشر باعتماد "دبلوماسية البوارج". وهي، إذ تشير إلى إعلان ترامب، بأن واشنطن لا تريد الحرب مع طهران، تقول بأن ثمة جملة دلائل تؤكد أن الأمور تسير نحو الحرب، وأن خطر اندلاع حرب حقيقية في الشرق الأوسط ، هو خطر "أكثر من حقيقي". وتقول الصحيفة بانه ليس من المفهوم لماذا اقتربت السفن الأميركية من الأراضي الإيرانية، في حين كان بوسعها إصابتها بالأسلحة التكتيكية العملانية، وترى أن حشد البنتاغون للقوات، يهدف إلى عرض العضلات واستفزاز إيران ودفعها إلى الرد بعمليات عسكرية. وتقول بأن واشنطن عاجزة عن تشكيل ائتلاف مماثل كما ذاك الذي شكلته في الحرب العراقية العام 2003 ، ولذلك تعتمد "الحرب الهجينة"، التي تركز فيها على الإجراءات الإقتصادية ، وعلى الضربات المتفرقة للتشكيلات الإيرانية في سوريا واليمن والعراق جزئياً .

من جانب آخر، ترى صحيفة الكرملين "VZ"، أن ما يجري في الخليج هو "تمرين على الكارثة"، وأن الشرق الأوسط يخيم عليه ظل حرب كبرى جديدة تعد لها الولايات المتحدة ضد إيران "هذه المرة". وبعد أن تتحدث عن صراعات داخل الإدارة الأميركية، تؤكد أن دونالد ترامب ليس بحاجة إلى حرب مع إيران ، قد تكلفه إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، وتلقي بكل اللوم في الأزمة الخليجية الراهنة على مستشار الأمن القومي جون بولتون. لكنها تؤكد أن العامل الأكثر جدية في الدفع إلى الكارثة المحدقة بالخليج يتمثل بالعائلة المالكة السعودية، التي "بدأ صبرها ينفد"، ودعت إلى عقد قمة عربية طارئة لبحث الإعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط ومحطات أنابيبه .

وإذ تذكر الصحيفة بسعي إسرائيل المزمن لحصار إيران، تقول بأن واشنطن خرجت من صفقة النووي مع طهران، نزولاً عند رغبة الرياض وتل أبيب، لكن ليس للحؤول دون حصول الجمهورية الإسلامية على الحصول على سلاح القتل الجماعي، بل لإجبارها على التخلي عن توسيع نفوذها في المنطقة ، من خلال العقوبات. وهذا كل ما تستطيعه واشنطن ، "على الأقل في اللحظة الراهنة" ، أما الحرب فسوف تكون انتحاراً للإدارة الحالية ، وقد تصبح حرباً متعددة الأطراف، خاصة بعد أن أعلنت بكين وقوفها الحاسم مع طهران ، حسب الصحيفة .

وتخلص الصحيفة إلى القول بأن "التمرين على الكارثة" قد حصل، وتأمل بألا يتم العرض الأول لها. لكن هل هذا فعلاً ما تأمله روسيا في كارثة الخليج، ومعظم ما ينشره إعلامها يتحدث عن "حرب عالمية ثالثة" و"حرب هجينة" شاملة، في حين يلتقط العالم أنفاسه وهو يتابع أنباء تراجع الأطراف المعنية مباشرة بهذا الصراع عن الحديث عن الحرب ، وترتفع لغة الصفقات حول طاولة المفاوضات.  




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب