آخر تحديث:08:10(بيروت)
الثلاثاء 21/05/2019
share

تيزيني وصكوك الغفران

عمر قدور | الثلاثاء 21/05/2019
شارك المقال :
تيزيني وصكوك الغفران
كأنه كان لا بد من تعكير الحزن المشترك الذي أبداه كثيرون من السوريين على رحيل المفكر طيب تيزيني، في موطنهم المشترك الوحيد "وسائل التواصل الاجتماعي". بدأ الأمر بنعي مُستغرب من الدكتور أحمد برقاوي، ليستعيره لاحقاً الدكتور عماد الدين الرشيد، المعارض الإسلامي الذي يُصنَّف معتدلاً، والذي سبق أن شغل منصب نائب عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق. ما كتبه برقاوي والرشيد أثار ما أثار من استهجان وردود أفعال، وهذا الجدال لا يخلص عادة سوى إلى نتيجة إنسانية واحدة هي إفساد ذلك الحزن النبيل، وإلى نتيجة سياسية واحدة هي اليأس من إمكانية بناء مشتركات بين السوريين.

ثمة اختلاف لا ينبغي تجاهله بين ما كتبه برقاوي وما كتبه الرشيد؛ برقاوي كتب ما كتب تعبيراً عن رأي شخصي، ومهما رأينا فيه من التعسف وانعدام الرحمة يبقى في الإطار الشخصي الذي يحتمل تأويلات مختلفة في الحيز نفسه. أما عماد الدين الرشيد فيتوجه إلى الإسلاميين، مؤنّباً منهم مَن زكّى المفكر الراحل، حتى إذا كان هناك تفصيل يستحق الثناء في مسيرته، ومميِّزاً بين الثناء والتزكية من حيث شمول الأخيرة على مجمل أفكار ومواقف المرء واقتصار الأول على جانب ما، مع أنه لا يرى في سيرة الراحل ما يستحق الثناء أيضاً. لكننا نعلم، ويعلم أكثر منا جمهورُه من الإسلاميين، وجود تمييز آخر بين الثناء والتزكية استخدمه الفقهاء قديماً، يحتمل فيه الثناءُ التنويه بما هو سلبي وما هو إيجابي بينما لا تحتمل التزكية سوى الإيجاب، ولعل هذا هو باطن الكلام الذي يُراد قوله.

بتعبير آخر، يتوجه عماد الدين الرشيد إلى من يراهم بمثابة خراف الإسلاميين الضالة، وليس من المصادفة إطلاقاً أن يسترجع في النص ذاته الدكتور الشيخ البوطي ليقول أن الأخير كان يشتم بشار الأسد في السر، مثلما صار يفعل تيزيني متأخراً عنه، ولا ينسى الترحم على البوطي، من دون أن يشير صراحة إلى عدم جواز الترحم على تيزيني تاركاً للنص أن ينضح بذلك. المقارنة بين البوطي لا يبررها ما سبق بقدر ما هي واقعة أصلاً تحت شبح مناظرتين تلفزيونيتين قديمتين جمعتا تيزيني والبوطي، وهما بما لهما وعليهما تقادمتا بموجب المستجدات العاصفة إلا لمن يحمل ثأراً أيديولوجياً كان البوطي نفسه قد حذّر منه في التمهيد للمناظرة الثانية التي أدارها مفكر إسلامي هو الدكتور محمد حبش، وفُهم آنذاك أن إشارة البوطي موجهة لجمهوره الإسلامي الواسع.

عندما قُتل الشيخ البوطي، في انفجار مسجد شابه الكثير من الغموض والشكوك حول ضلوع مخابرات الأسد فيه، أكد عماد الدين الرشيد "الذي استضافته قناة الجزيرة تغطية للحدث" أن الراحل كان في صدد تغيير مواقفه الموالية للأسد ما أدى إلى اغتياله. برر الرشيد مواقف الشيخ الموالية بأنها من باب "فقه الاحتياط"، وكما نعلم لهذا الباب فقهاؤه المتشددون والمعتدلون ضمن الحقل الديني، على العكس من النزول به إلى السياسة حيث يُفهم غالباً على محمل المرونة، وتحت لافتته يُبرَّر انصياع الإسلاميين للاستبداد لا نحو لا يُبرَّر فيه لغيرهم.

ومن المعلوم أن مواقف الشيخ البوطي السياسية المعلنة كانت أسوأ نهاية له قبل اغتياله، بخلاف مواقف تيزيني الذي لا يحسبه أحد على صقور المعارضة، لكنه انتقد فساد سلطة الأسد "خارج المجالس الخاصة" قبل الثورة بعبارات من قبيل: هناك في العالم فساد دولة، أما في سوريا فلدينا دولة فساد. سيرة الرجل عموماً المعلنة، وما دفع قسماً من الإسلاميين إلى الترحم عليه، فيها مواقف توجّها وهو على أعتاب الثمانين من عمره بمشاركته في واحدة من أولى المظاهرات في دمشق، وقد اعتُقل حينها لساعات. من دون الدخول في مبالغات مضادة، ما هو معروف عن تيزيني أنه فعل أفضل ما في وسعه في أسوأ الظروف، وضمن حد من الالتزام الوطني والأخلاقي يلقى ترحيباً من قبل شرائح واسعة.      
    

بأثر رجعي، يؤنب عماد الدين الرشيد "في النص نفسه" قسماً من الإسلاميين بسبب ترحمهم من قبل على الفنانة الراحلة مي سكاف، ويدسّ بخبث بين اسمَيْ تيزيني وسكاف اسم شيخ ترحم عليه بعض الإسلاميين مؤخراً رغم موالاته. وكما نذكر، إثر رحيل مي أيضاً، ظهر إسلاميون للتساؤل عن الهوية الدينية للراحلة، وعن جواز الترحم عليها من عدمه بما أن سيرتها تدل على كونها كافرة، رغم أن نظراءهم الإسلاميين الذين ترحموا عليها فعلوا انطلاقاً من موقفها الوطني والأخلاقي أيضاً.

على العموم يبدو دكتور الشريعة عماد الدين الرشيد، وهو مصنَّف على المعتدلين، كمن يضع في جيبه وجيوب أمثاله صكوك غفران، يقررون على أساس منحها مَن الأولى بالذهاب إلى الجنة ومن سيذهب إلى النار. وهم، في سبيلهم إلى ذلك، يسعون مع كل مناسبة إلى تطويع ما يرونه خرافاً ضالة عن صراطهم. بالأحرى هي إعادة تربية شاملة، كما فعلت جميع الأنظمة التوتاليتارية، وهي على الضد من الوجدان الذي ساد طويلاً لدى مسلمي سوريا، حيث لم يكونوا يتوقفون عند أسئلة من نوع جواز الترحم على ميت، بل يعتبرون الترحم وطلب المغفرة له بمثابة "صدَقة"، حتى إذا كان الراحل معروفاً بسيئاته أو آذاه الشخصي أو الاجتماعي. الوجدان نفسه كان يضع أمر الرحمة والمغفرة من شؤون الله، وتزكية الميت لا تعدو كونها تراحماً بين الأحياء وتعبيراً عن إنسانيتهم.

وفق عماد الدين الرشيد وأمثاله، وصولاً إلى من يُتَّفق على وصفهم بالمتطرفين، ينبغي ألا تربط الإسلاميين "وتالياً المسلمين" أية صلة إنسانية بغيرهم، ينبغي إعادة المجتمعات إلى قسمة سالفة بين دار الكفر ودار الإسلام. الاعتدال المزعوم يظهر على حقيقته عند أول امتحان، والإسلاميون الذين يغادرون القطيع الشمولي هم أول من يتعرض للّوم والتعنيف، بما أن من هم خارج القطيع أصلاً يسهل تكفيرهم. ما سبق ينسحب سريعاً على المسألة الوطنية والسياسة، إذ يستحيل العمل على اجتماع وطني في ظل القسمة بين كفار وإسلاميين، ومن يضنّ بالترحم على الموتى لن يكون أكرم في مجال السياسة ولا أكرم على الأحياء، وقد اختبرنا كيف ينظر الإسلاميون إلى الآخرين كمطايا لهم من أجل استلام السلطة والتفرد بها. ولقد عايشنا في السنوات الأخيرة تفاقم الظاهرة الإسلامية، وتفاقم المزايدات بين أصحابها. إذا لم نشأ توخي الحيطة، نستطيع القول أن الأمر تعدّى مصادرة الإسلام واحتكار فهمه، فاستلهام مفهوم صكوك الغفران يعني مصادرة الله نفسه والتقرير نيابة عنه.

لم يكن الراحل طيب تيزيني، وقبله فدوى سليمان ومي سكاف، في حيواتهم من النوع الذي يسعى إلى صكوك غفران من أحد، بل من طينة على النقيض تماماً. وما سبق ليس بالطبع من باب الدفاع عن حقهم في جنة إسلاميينا، المسألة هي الدفاع عن جثثهم من المتاجرة، والدفاع عن حقنا البسيط في حزن يحترم الخصومة الفكرية مثلما يحترم الاتفاق، حزنٍ نبيل فحسب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب