آخر تحديث:12:16(بيروت)
الثلاثاء 21/05/2019
share

العفو والأبواب الدوارة

شادي لويس | الثلاثاء 21/05/2019
شارك المقال :
العفو والأبواب الدوارة لائحة العفو تنتظرها آلاف الأسر في الأعياد كل عام (غيتي)
أعلنت السلطات المصرية، يوم الجمعة الماضي، لائحة بالعفو تضم 560 مداناً بأحكام نهائية. وضمت اللائحة التي تنتظرها آلاف الأسر في الأعياد والمناسبات الرسمية كل عام، الكثير من المدانين في قضايا ذات طابع سياسي، كأحداث مجلس الوزراء في 2011، والقضية المعروفة بـ"مذبحة كرداسة". وجاء قرار العفو الرئاسي الذي نال مسحة طقسية منذ العام 2016، بالتوازي مع إلقاء القبض على الناشطين مصطفى ماهر وهيثم محمدين وآخرين، بتهم من ضمنها نشر أخبار كاذبة في شبكات التواصل الاجتماعي ومساعدة جماعة إرهابية لتحقيق أهدافها، في قضية حملت الرقم 741 أمن دولة.

ولا يظهر أن ذلك التزامن، بالضرورة، من باب الصدفة، أو علامة على تناقض، بل جزء من سياسية الأبواب الدوارة، حيث يتم الإفراج عن البعض ليحل البعض الآخر محلهم في السجون، أو يفرج عن المدان بعد قضاء مدته ليتم إلقاء القبض عليه بعدها بوقت قصير في قضية جديدة. فالعفو عن فتيات دمياط، اللواتي تم إدانتهن بعد مشاركتهن في تظاهرات مؤيده للرئيس المخلوع محمد مرسي العام 2015، عوّضه إلقاء القبض على ربة المنزل، رانيا محمود، في القضية 741، غالباً بسبب تعليقاتها، في شبكات التواصل الاجتماعي، على ارتفاع الأسعار. ويعود هيثم محمدين في القضية نفسها إلى الاحتجاز، بعد ما قضى بعض الوقت خارجه منذ إخلاء سبيلة بتدابير احترازيه في قضية سابقة باسم "مترو حلوان" في أكتوبر الماضي.

وفيما تزيد القضايا وأرقامها، ويتزايد الداخلون إلى السجون عبر الأبواب الدوارة أسوة بالخارجين منها، ومعها دورات العودة مرة بعد أخرى للبعض من ذوي الحظوظ الأسوأ، فإنه من باب المبالغة محاولة تحليل كل هذا على أنه خاضع لمنطق عمدي وتخطيط مسبق. فلدى الأجهزة الأمنية المصرية، تراث طويل وتقاليد راسخة في قضايا اللوائح الموسمية. فكان، مثلاً، يُلقى القبض على لوائح جاهزة من منتسبي جماعة الإخوان قبل مواقيت الانتخابات، وبشكل روتيني. وفي أحيان كثيرة، يخضع الأمر للاستسهال، فأمن الدولة وضباطه، كغيرهم في أقسام وزارة الداخلية الأخرى، كانت تُطلب منهم حصيلة من عدد من القضايا بشكل سنوي، وتقفيل البعض الآخر. وينتهي الأمر إما بالرجوع إلى اللوائح الجاهزة أو إضافة أسماء جديدة، على الأغلب بشكل اعتباطي.

لكن الطبيعة البيروقراطية، نصف العشوائية، لسياسات الباب الدوار، لا تنفي أنها تملك منطقاً متماسكاً ومروعاً أيضاً، ولا يبعد كثيراً عن منطق العفو. منطق يمكن تصور أصول له في لاهوت العقوبة، وما ترسب منه في الدولة الحديثة، ونسخها السلطوية. فاللاهوتيون المدرسيون بذلوا قروناً في محاولة تبرير العقوبة الأبدية. فكيف للذنب المحدود في الحياة الدنيا أن يكون عقابه أبدياً، وبلا نهاية. وكان منهم من أنكر الجحيم الأبدي، والبعض الآخر وجد تبريره في أن العقوبة غير محدودة لأنها ارتكبت في حق غير المحدود، فالخطيئة هي جريمة ضد الإلهي. وكانت الصورة المقلوبة لهذا المنطق، هي النعمة الإلهية، ذلك العفو الذي يمنح للبشر، من دون استحقاق، للإفلات من العقاب، لا لشيء سوى لتأكيد السلطة الإلهية اللامحدودة، في تجاوزها للقانون نفسه.

في الدولة السلطوية، يفقد العقاب زمنيته، ويعجز قياس العدالة أو القانون عن تحديد مدته. فسياسة الأبواب الدوارة، كجحيم دانتي، دوائر لانهائية من العذاب، تكرر نفسها. جُرم التمرد على السلطة، كالتجديف على الإلهي، ذنب لا تكفيه عقوبة مؤقتة، بل لعنة تلحق بصاحبها إلى الأبد، حرفياً. ولا تنفع التوبة في الجحيم بالطبع، فالإقلاع عن السياسة ليس ضماناً بأن يُرفع اسم المذنب من اللوائح التي تقود إلى الأبواب الدوارة.

يحتفظ رأس السلطة التنفيذية في الدول الحديثة، بحق العفو، ذلك الفعل المتجاوز لقواعد القانون نفسه لصالح الرأفة. وفي الأنظمة القمعية، يمسي العفو وجهاً آخر للعقوبة الأبدية، السلطة اللامحدودة على الرعايا، والقدرة المطلقة لتأبيد المعاناة أو رفعها كلياً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها