آخر تحديث:21:03(بيروت)
الأربعاء 01/05/2019
share

روسيا تقتصد بالسلاح لا العدوانية

بسام مقداد | الأربعاء 01/05/2019
شارك المقال :
روسيا تقتصد بالسلاح لا العدوانية
أثار التقرير ، الذي نشره الإثنين المنصرم معهد ستوكهولم الدولي لبحث قضايا السلام "SIPRI" ، حول الإنفاق العسكري في العالم خلال العام 2018 ، موجة من التعليقات في المواقع الروسية . وتراوحت هذه التعليقات بين الترحيب الحذر بما ورد في التقرير عن خروج روسيا ، للمرة الأولى منذ العام 2006، من قائمة الدول الخمس الأولى في الإنفاق العسكري ، وبين استنكار تأكيد التقرير على أن الإرتفاع القياسي للإنفاق العسكري للدول هذا العام يعود إلى الخوف المتزايد في العالم من عدوانية روسيا. فقد وجدت صحيفة "NG" الروسية أن للتقرير منطقاً "أكثر من غريب" ، حيث ربط  كبير الباحثين في برنامج التسلح والنفقات العسكرية في المعهد ، بين ارتفاع نفقات التسلح في الدول الخمس الأولى في القائمة ودول أوروبا الوسطى والشرقية ، وبين "التهديد المتزايد من جانب روسيا" . وتستنكر الصحيفة هذا المنطق ، الذي يعتبر أن روسيا، التي تخفض إنفاقها العسكري، تبقى دولة "معتدية"، في حين أن الولايات المتحدة وفرنسا ، اللتين رفعتا إنفاقهما العسكري ، هما دولتان مسالمتان تخشيان هجمات الجيش الروسي.

يشير تقرير المعهد السويدي إلى أن إنفاق روسيا العسكري في العام 2018 بلغ 61,4 مليار دولار ، أي بتراجع مقداره 3,5% عما كان عليه في السنة الماضية ، مما جعل روسيا تحتل المرتبة السادسة ، بعد كل من الولايات المتحدة والصين والسعودية والهند وفرنسا . وتركز كافة التعليقات في المواقع الروسية على تفسير اسباب هذا التراجع في أرقام الإنفاق العسكري الروسي ، وما يحمله من دلالات بالمقارنة مع تزايد إنفاق الدول الأخرى ، خاصة الولايات المتحدة الذي بلغ 649 مليار دولار .

بغض النظر عن مدى شفافية الأرقام الرسمية الروسية ، التي يعتمدها المعهد السويدي ، ومقدار ما تعكسه من حقيقة الإنفاق العسكري الروسي ، الذي كان يتوزع في روسيا السوفياتية على مختلف الوزارات والإدارات ، حسب أحد المدونين الروس ، إلا أن المواقع الروسية انهمكت في مناقشة هذه الأرقام وتفسيرها كما هي. والتفسيرات الروسية للأرقام والوقائع يطغى عليها طابع البروباغندا ، ولا تختلف في أغلب الأحيان عن  تفسيرات وتبريرات "الممانعين" المتخاصمة مع المنطق والواقع. فقد رأت وكالة نوفوستي ، على لسان أحد كتبتها المشتركين مع صحيفة الكرملين "vz" ، أن تقرير المعهد السويدي يشير إلى أن "روسيا لم تخرج من سباق التسلح ، بل ربحته" . وبعد أن تذكر الوكالة النسب المرتفعة للإنفاق العسكري للدول المحيطة بروسيا ، مثل أرمينيا ودول البلطيق وأوكرانيا وكازاخستان ، تقول بأن وضع روسيا يبدو ، للوهلة الأولى ، غريباً في هذا السياق ، حيث ينخفض إنفاقها العسكري منذ سنوات ، إلى أن بلغ بها الأمر أن خرجت العام 2018 من قائمة الخمسة الكبار، وتراجعت إلى الموقع السادس، متخلفة عن فرنسا .

وبعد أن تقارن نوفوستي إنفاق روسيا العسكري مع إنفاق الصين البالغ 250 مليار دولار، وإنفاق الولايات المتحدة البالغ 649 مليار دولار ، تقول بأن تفسير هذا الأمر واضح ، وهو أن روسيا قد نجحت في حل مهمة إعادة تشكيل القوات المسلحة وتحديثها ، والتي وظفت فيها بكثافة منذ أواخر العقد الأول . وقد وجهت الإنتقادات للدولة غير مرة ، بسبب المبالغة في إنفاقها العسكري في ظل المشاكل الجدية في الإقتصاد والحقل الإجتماعي. لكن الدولة كانت ترد ، على لسان كبار مسؤوليها ، بأن الإنفاق من الموازنة في الحقل العسكري سوف ينخفض بالتدريج ، مع التأكيد بأن الأمن القومي أولوية لا جدال فيها ، وأنه ينبغي اولاً بلوغ الأهداف المرسومة في هذا المجال.  وبما أن المهمات الأكبر والأكثر كلفة في إعادة تشكيل القوات المسلحة قد تم حلها بنجاح، فقد أصبح بوسع روسيا أن تسمح لنفسها بتخفيض النفقات الدفاعية ، وهو ما تقوم به للسنة الرابعة على التوالي.

وتقول نوفوستي ، أن الصورة المالية السياسية التي يقدمها تقرير المعهد السويدي ، وما تبرزه من إتجاهات عالمية في الإنفاق العسكري ، تشير إلى أن روسيا تكشف عن فعالية للإستثمارات ، التي توظفها في الجيش والمجمع الصناعي الحربي، أرفع بكثير مما لدى شركائها ومنافسيها في العالم . ومن المهم ، برأيها، ليس فقط توظيف الموارد بكفاءة وفعالية في الهدف المخصص لها ، بل من المهم أيضاً اختيار هذا الهدف ، في ظل الموارد المالية المحدودة ، والظروف السياسية الداخلية والخارجية الصعبة . ولدى روسيا في هذا المجال ما تفتخر به، إذ لم تتمكن فقط من تجاوز تدهور وضع الجيش وتخلف روسيا في المجال العسكري، بعد انهيار التسعينات، بل وإعادة القوات المسلحة الروسية إلى قائمة القوات الأكثر فعالية وقوة في العالم، وهو ما تثبته الحملة السورية وسواها.

لقد اعتاد العالم في السنوات الأخيرة، حسب نوفوستي، أن يرى موسكو تثبت تفوقها التكتيكي العملاني على الغرب، من القرم حتى سوريا ، ومن جمهورية إفريقيا الوسطى حتى فنزويلا ، مستخدمة في ذلك العامل العسكري أيضاً . لكن هذه النجاحات قليلاً ما تكشف عن أن روسيا تتغلب على العدو المفترض استراتيجياً أيضاً . ولذلك ليس من العبث أن يتهم الغرب موسكو في أحيان كثيرة ، بأنها قد تمكنت ، بشكل ممتاز، من إجادة قواعد الحرب الهجينة وأساليبها .

وفي رأي معاكس لهذا التفسير لتقرير المعهد السويدي ، وفي ما يبدو أنه يعكس مصالح وزارة الدفاع، تتساءل صحيفة الكرملين "vz" عن مخاطر تخفيض النفقات العسكرية بالنسبة لروسيا . وبعد أن تشيد الصحيفة بمصداقية المعهد وتقريره في العالم ،  تنقل عن أحد الخبراء العسكريين الروس قوله ، بأنه لا ينبغي على روسيا أن تخفض ميزانيتها العسكرية، وذلك لأن مهمة إعادة تسليح الجيش الروسي لم تنجز بعد. ويقول بأن روسيا اعتمدت كمية كبيرة من أنظمة السلاح الجديدة ونماذجه ، التي لا تزال تتوافر بكميات محدودة لدى الجيش الروسي. ويؤكد أن الدبابة T-14 الحديثة لم ينتج منها سوى كمية تجريبية لا تتجاوز المئة دبابة ، وأدى تقليص الميزانية الدفاعية إلى التوقف عن شراء هذه الدبابات إلى أجل غير مسمى واستبدالها بأخرى قديمة.

وتنقل الصحيفة عينها عن خبير آخر مفاخرته ، بأن روسيا تنفق على الأنظمة القتالية مبالغ أقل بكثير مما تنفقه الولايات المتحدة ، وذلك لأن ثمن أي نظام أميركي يتضمن الإنفاق على السمسرات . ويقول بأنه إذا أراد الأميركيون أن يتباهوا بحجم الإنفاق العسكري لديهم ، فلا بأس ، لكنه يذكرهم بأن دبابة أبرامس، التي تكلف 6 ملايين دولار ، يمكن تدميرها بقذيفة RPG روسية تكلف عشرات المرات أقل من كلفة الدبابة . ويتساءل ساخراً ، ما إن كان بعد ذلك يستحق الأمر التباهي بحجم الإنفاق العسكري ؟

لكن ، وبعيداً عن جميع هذه التعليقات على تقرير معهد استوكهولم في مواقع الكرملين الإعلامية ، وفي اليوم ذاته ، الذي نشر فيه تقرير المعهد ، نقل موقع "kasparov" عن أحد المدونين المعارضين قوله في نص بعنوان "ما بعد بوتين" ، أن الروس سوف يكتشفون في روسيا ما بعد بوتين ، أنه لم تكن هناك أية نجاحات مهمة في تعزيز القدرة الدفاعية لروسيا ، وأن الجزء الأعظم من الموارد التي أنفقت على إعادة تجهيز المجمع الصناعي الحربي وتصميم أنواع أسلحة جديدة ، قد تم تبذيره ونهبه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها