آخر تحديث:08:16(بيروت)
السبت 06/04/2019
share

أجمل مسلسل عربي

أحمد عمر | السبت 06/04/2019
شارك المقال :
أجمل مسلسل عربي

كنا محبوسين في صندوق اسمه التلفزيون. ومقيّدين بسلسلة غير حديدية اسمها المسلسل.

أول مسلسل شاهدت حلقات منه كان بدوياً في الهواء الطلق واسمه "البيادر" يبث الثلاثاء، وله أخ بالرضاعة اسمه "الغدير" يبثّ الجمعة. وكان هاني الروماني يظهر في كل المسلسلات تقريباً كما حسن حسني في الأفلام والمسلسلات المصرية هذه الأيام. ولم تكن الجماهير التي صار عندها تلفزيون قادرة على القفز من مرحلة المدر إلى مرحلة الحضر، ومتابعة مسلسلات حديثة، تجري وقائعها في البيوت والمكاتب تحت سقف مغلق يحبس النفس، وباللهجة المصرية، التي كانت شاقة على السوريين أول الأمر.  أغلب الظن أن التلفزيون السوري في بدايته واجه مشكلة العثور على نص "تقدمي" والنظام في أوج صعوده الايديولوجي وشديد التقوى الاشتراكية، فرأينا في مسلسل "البسطاء" شقيقين يتبادلان زوجة، ورأينا طلحت حمدي في مسلسل مقتبس عن "الجريمة والعقاب" اسمه المكافأة، فقلت: ما هي جريمتنا يا ربي حتى نرى هذا العقاب؟ لكن النظام تعلّم المكر وسمح بالنقد الدرامي في مسلسل "مرايا" بالرمز والإشارة. آخر مسلسل رأيته كان "صلاح الدين الأيوبي" التاريخي من إخراج حاتم علي وتأليف وليد سيف، وقد حرصت على متابعة بعض المسلسلات التاريخية مثل "ربيع قرطبة" على اليوتيوب، من غير التزام بمواعيد البث فاليوتيوب حرّر المشاهد من الميقات مرتين، مرة من الالتزام بموعد البث ومرة بمنح المشاهد حرية أخرى هي حرية الاجتزاء والحذف والتسريع. وتابعت حلقات من "الزير سالم" وشعرت بالاكتئاب وقلت وقتها: خيانة.. هذا الزير سلوم وليس الزير سالم.

وكان حظ الجسّاس أفضل من حظ الزير. ذكر الناشط زياد الصوفي أن فواز الأسد تربص بالجسّاس على أبواب اللاذقية، حتى ظفر به، وصفعه على مرأى من الناس لأنه كان من جماعة الزير، وكان قد نذر أن يصفعه ووفى بنذره. آل الأسد يوفون بالنذر، أما حظ الزير سالم فكان أسوأ لأن المخابرات الجوية خطفته من الإمارات وأحضرته موجوداً ليبكي مثل النساء ثأراً فقده كالرجال، وأجبرته على الظهور في التلفزيون كي يبدي الندم على غلطته في حق الغنم. في السيرة الشعبية ركب الزيرُ الأسدَ لأنه أكل حماره وحملّه القرب، هذا ما حدث ورب العجم والعرب، أما في الواقع فقد ركبَنا الأسد وحمّلنا القُرب، وأُصبنا بالجرب وحق رب العجم والعرب.

وأخذ الحماس جارنا عندما أرسل "رأفت الهجان" أول رسالة إلى المخابرات المصرية من إسرائيل، وخرج إلى السطح وأطلق النار على الجان ابتهاجاً بالنصر، ولم يمنع الوقت المتأخر ليلاً أن يدعونا بعد أن أيقظنا من مرقدنا إلى قهوة، فسهرنا معه واحتفلنا بالنصر. وأجمل مسلسل شاهدته هو "صح النوم"، ورأيت مسلسلاً لعنترة بن شداد يمثل فيه أحمد مرعي دور عنترة وعبد الله غيث دور شيبوب، وكان عبد الله غيث أولى بدور عنترة، لكن هيبته جاءت لاحقاً من فيلم الرسالة للعقاد. شيبوب في السيرة الشعبية كان عدّاء للمسافات الطويلة ومكّاراً، وعنترة كان يخرج من معركة ليدخل معركة، لكن عنترة وشيبوب كانا يتحاوران في المسلسل وكأنهما في مقهى الروضة، كان شيبوب يتسلى في المسلسل بتقشير عود بسكين وهو يجادل عنترة جدالات فلسفية، وكانت خالتي تظن أنه يصنع السهام.  وكان أحمد مرعي أقل في البنية من فريد شوقي الذي أدّى دور عنترة في فيلم شهير مع كوكا في دور عبلة، ظنّاً من صناع المسلسل أن دَهن مرعي باللون الأسود سيجعل منه بطلاً. وانتقدتُ في المدرسة اختيار أحمد مرعي لبطولة المسلسل، فقال أحد الأصدقاء: والذي نفسي بيده، لتروّن يوماً سميرة توفيق في دور عنترة، وقد صدقت نبوءته عندما قرأنا تغريدة المغنية أليسا (بنت شداد) وهي تبارز افيخاي أدرعي وتحذفه من قائمة أصدقائها، يا لثارات عبس وذبيان، ومرحى لفتاة غسان.

شعور الكآبة الذي داهمني في مسلسل الزير سالم يشبه شعوري في مسلسل "العبابيد" المأخوذ من مسرحية لشكسبير. وفي تركيا استضافني قريب لي كان يتابع مسلسل "وادي الذئاب" سبع حلقات في الليلة الواحدة حتى يدرك شهرزاد الصباح ثم ينام في اليوم التالي إلى العصر، الذئاب اكلت الليل والنهار والغداء والإفطار، فلم نكن نفطر إلا عصراً! فعدت في اليوم التالي إلى الفندق هرباً من وادي الذئاب.

وقرأت خبراً عن الرئيس الفنزويلي مادورو يقول فيه: أكاد أدخل الإسلام بسبب مسلسل أرطغرل الجميل. وقد حضّني صديق حصيف على متابعته فحاولت، فوجدت أنه يشبه مرق الأرنب، وكان عزت العلايلي في مسلسل "وقال البحر" قد وجد كنزاً، فاحتال عليه محتالون وسرقوا كنزه وعوّضوه بمشاريع كرتونية يعرضونها عليه بكرة وأصيلاً إيهاماً باستثمار أمواله، فصرخ: عايز أشوف حاجة حقيقية، كله كدب كدب كدب. ثم وجدت السيسي بيه في مسلسل وقال البحر. ومن الأفلام التلفزيونية التي خلدت بجملة واحدة قالها بطلها، فيلم "عواء الذئب" وفيه أشهر جملة سورية درامية، قالها صلاح القصاص: ألف حبل مشنقة ولا يقولوا بو عمر خاين يا خديجة. وانتهت المرحلة السنيّة من الدراما بدليل أن البطل كنيته "أبو عمر"، الأبطال حالياً كلهم جعفر، أليس كذلك يا رفيق حسن.. يا رفيق حسن.

وقد اشتهر ممثلون بجملة سارت بين الركبان، مثل النمس في "باب الحارة" بجملته السخيفة تلك، وأرسل الممثل السوري جمال العلي عبارات شاعت مثل الأمثال: "بدي أخلى عواك يصل لقبرص" و"يا همالالي"..

أغلب الظن أن عصر المسلسل إلى زوال، بعد سيادة عصر اليوتيوب، ومن المسلسلات التي لاقت إعجاباً، مسلسل "يوميات مدير عام"، من تأليف زياد الرئيس وإخراج هشام شربجي، وكانت فكرته مقتبسة من أخبار الخلفاء الذين لم تكن في عهودهم صور، فكانوا يخرجون للاطلاع على شؤون الرعية. المدير العام يتنكر كل حلقة لكشف الفساد في الشركة، وينتهي المسلسل بجملة ساخرة، ويائسة من إصلاح الفساد: عوجا.. فلا سبيل للإصلاح، ولهذا قامت ثورة في سورية. انحسر الفن السينمائي السوري وضمر ومات، وجعلت الدولة الموقّرة الدراما صناعة ثقيلة مثل صناعة الطائرات في فرنسا والغواصات في المانيا، فالدراما تسلّي الشعب وتروي حكاية ما قبل النوم. ثم شاهدنا "مرايا " الذي أعلن لوناً جديداً من الكوميديا، برز فيها ياسر العظمة نجماً جديداً، يكتب ويمثّل ويغني أحياناً، ثم نافسه مسلسل "بقعة ضوء" الذي استفاد من عيوبه، وغضب البوطي ومعه كثير من الشعب السوري من مسلسل "الحور العين" الذي كرَّ فيه مخرجه مثل عنترة على قيم المجتمع السوري ومعتقداته، وتنبأ البوطي بدماء كثيرة في غفوة داهمته وقد تحققت النبوءة. ومن المسلسلات التي كان يمكن أن أتابعها "دليلة والزيبق" إلا أن الكهرباء كانت تنقطع كثيراً، فننتفخ من الغضب، ولم تكن هناك جماعات إرهابية تقطع خطوط التوتر العالي ولا مظاهرات. وفتح مسلسل "أيام شامية" طريقاً جديداً في الدراما هي الدراما الشامية، ونبّه صناع الدراما إلى الفضائل الشامية فحذت حذوها مسلسلات كثيرة، وظهر مسلسل "باب الحارة" الذي لاقى إعجاباً شديداً في الجزء الأول، لإيقاظه قيم العزّة والفخار والغيرة والشهامة ثم تحوّل إلى صراع بين المخرجين والممثلين، ولاحقاً إلى صراع بين السنّة والشيعة، وبين العلمانيين والذين لا يفهمون العلمانية أمثالي، وتصنيفه عند موالي النظام "مسلسل داعشي". وكنت أراقب موقعاً الكترونياً مدعوماً من المخابرات السورية، ويديره مثقف سوري صار نائباً في البرلمان، فوجدته مطروباً بنجاح مسلسل "ضيعة ضايعة" وشامتاً بباب الحارة. وبدأ هيثم حقي بالفانتازيا التاريخية في مسلسل "غضب الصحراء"، ثم اتخذها نجدت أنزور غاية، وحلّ ابن الوهاج محل خالد بن الوليد، وكان ذلك يشبه شمّ الشعلة.

ووجدتني مرة أقول أمام صديقة علوية ترأس تحرير صحيفة سورية: هذا تنفيس، ففاجأتني بقول، وكانت صادقة: التنفيس جيد، فقلت: لأنك من جماعة النفخ ونحن من المنفوخين، ثم عرفتْ سبب شجاعتي هو أني كنت أحسبها مسيحية. وقد انتفخنا حتى أصبحنا مثل الطبول.

وفي الأفلام المصرية سمعنا أكثر من مرة أمين الشرطة يقول للمتهم: تعترف وإلا أنفخك، وقد قال: أحمد حلمي في "عسل أسود":  ومين اللي ح ينفسني؟ (بعد حذف حرف النون الأولى وإضافة حرف الياء قبل النون الأخيرة) فالنفخ نفخان من قُبُل ومن دبر، وقد ذقنا الاثنين.

وقلت مرة لصديق مكث في السجن عقداً من السنين وازداد تسعا، وتحدث عن الحياة التي فاتته، وتمنى لو شاهد مسلسلات سمع بها فقلت: تعطيني الأمان، فضحك، وقال لك الأمان، فقلت: كثير من المسلسلات كانت تعذيباً يشبه التعذيب الذي لاقيتموه في السجن.

دارت الأيام وحرق الأسد البيادر، وجفّ الغدير، ورسفنا في سلاسل كثيرة مكرهين، لأنا كنا أسرى في بيوتنا، فلا أندية، ولا ملاعب، ولا ساحات.. عمل العلّامة نجدت أنزور سلسلة من المسلسلات الخيالية مثل الجوارح والكواسر والبواسل، ثم رأينا مسلسل البراميل الذي طال سبع سنوات. ورأينا قلنسوات عبرية وعمائم سوداء لكن لم يرَ السوريون كردياً قط في مسلسل سوري سوى مرة واحدة يعزف فيه على الطنبورة ويغني، وشعرت كأن المخرج يقول: انظروا، هذا هو الكردي المثال الجدير بالظهور في الدراما المقدسة، وغير ضار بالصحة الوطنية وهو يعزف والعزف فعل تقدمي، فتحققت الوحدة الوطنية، وانتفخ معلاقي. وحاول دريد لحام أن يعود في شخصية غوار، وقلنا فيه ما قيل في أبو تفليقة، في الحلقة السادسة عشرة من "عودة غوار": رموشه تتحرك. وكنت أحلم بمسلسل بطله سجينان سياسيان إسلامي ويساري، يُبثّ على عين النظام. كبادرة مصالحة وطنية. وكان ياسر العظمة يقدر من كثيرين، فهو أفضل من دريد لحام الذي كان يقول: الفيل يا ملك الزمان، العظمة كان يقول: الفيل يا ملك الزمان أيضاً، لكن الفيل عثماني، أحياناً كان يقول: الزمان أيها الفيل الملك، النظام يجبر الفنان على الظهور مع أصحاب الفيل في صورة تذكارية. لقد تحولت سوريا تحت أقدام الفيل إلى عصف مأكول. هدمت كعبة الوطنية السورية تحت أقدام الفيل.

أسوأ مسلسل رأيته في حياتي هو مسلسل القمة العربية: مباشر، كل سنة حلقة، وكل حلقة تشبه "الفلقة" الماضية، بلا أبطال، الحوار رديء، الملوك أميّون وهم علينا ملوك وفي الحروب نعامات، ينامون في أثناء التصوير مثل الأطفال بعد الشبع من الرضاعة، وينفخوننا من قُبُل ومن دبر، ويجعلون عواءنا يصل إلى قبرص وكريت وسيشل ونيوزيلندا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب