آخر تحديث:07:05(بيروت)
السبت 20/04/2019
share

أحوال نكتة وأطوارها

أحمد عمر | السبت 20/04/2019
شارك المقال :
أحوال نكتة وأطوارها

تخرجت ميرفت (تصحيف مروة) أدب إنكليزي، سنة 2000 بعد الميلاد، أي في السنة الشهباء التي تولى فيها بشار وراثة العرش الجمهوري ورقاب الشعب السوري من أبيه بالانتخاب العبد غير الحر، ولم تجد عملاً مثل غيرها من زميلاتها وزملائها، وبقيت سنوات طويلة من غير عمل، إلى أن أشفق عليها مدير حديقة حيوانات وهو صديق والدها، فاقترح عليها اقتراحاً عجيباً وهو أن تمثّل دور المرحومة حرم النمر.

جاء في لسان العرب: الأُنثى نَمْراءُ. والنَّمِرُ والنِّمْرُ: ضربٌ مِنَ السِّبَاعِ أَخْبَثُ مِنَ الأَسد، سُمِّيَ بِذَلِكَ لنُمَرٍ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنه مِنْ أَلوان مُخْتَلِفَةٍ، والأُنثى نَمِرَةٌ وَالْجَمْعُ أَنْمُرٌ وأَنْمارٌ ونُمُرٌ ونُمْرٌ ونُمُورٌ ونِمارٌ، وأَكثر كَلَامِ الْعَرَبِ نُمْرٌ كما يقول ابن منظور في لسان العرب. ومن هنا جاءت كلمة "نمبر" الأجنبية للعدد. وَفِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنْ رُكُوبِ النِّمار، وأعرف أن الزير سالم ركب الأسود، لكنها أول مرة أسمع فيها بركوب النمار، والمقصود افتراش جلود النمور، أما لماذا فضّل زكريا تامر النمور أبطالاً لقصته، فالسبب معروف وذلك لأن الأسد ملك الغابة السورية، وممنوع ذكر اسمه من بين الحيوانات خشية اللبس والسخرية من مقام الرئاسة.  

نعود إلى النكتة المنكوبة: وكانت النمراء قد ماتت من القهر، لأن زوجها لم يعد "يعرف"، والنساء يحببن أزواجهن أن يعرفوا دائماً ويملؤوا عليهن دنياهن، الدنيا الفارغة تنذر بحياة كابوسية. وكان النمر "يعرف" جيداً من غير فياغرا قبل حلول اليوم العاشر، لكنه نسي ولم يجد له عزماً، لأسباب كثيرة، أهمها أن الأولاد والكبار كانوا يدخلون العصي في مؤخرته، وهذا له وصف يجيزه في المعنى لا تجيز الصحافة نشره يشبه اسم حزبنا الحاكم. والسبب الثاني أنّ الحارس كان يسرق طعامه الزكي، ويطعمه من لحوم الحيوانات الميتة، فقلّت شهوته، وماتت نخوته، ولم يعد "يعرف". وللمزيد من المعلومات راجع فيلم محامي خلع.

لاحظ مدير الحديقة أنّ عدد الزوار قلَّ بعد موت النمراء رحمها الله، فالناس تحب أن ترى صورة الحياة السعيدة  في الحديقة والمفقودة بين البشر، راقت لميرفت الفكرة، وقبلت على الفور، وأمضت العقد، وزغردت أمها و شربوا الشربات، وفي اليوم التالي لبست جلد النمر، وعملت مدة ثماني ساعات يومياً، وكانت الوحيدة التي  تعمل في الوطن "فول تسايت" بالاصطلاح الألماني، أي بدوام كامل، من غير "بريك" أو" باوزه" لساعة الغداء، ولأنّ كل الأزمنة تمضي، السعيدة منها والحزينة، ولا يدوم إلا الدايم ، وهذا ما لا لم يفهمه الملوك العرب، وكنا نريد خاتمة طيبة لعمر البشير  لولا أن الطمع عاقبته وخيمة. نسي الحارس في أحد الأيام غير المشهودة باب قفص النمر الملاصق لقفص النمراء مفتوحاً، وأمريكا تفضّل تسمية "الخلية" على القفص، فطار صواب النمراء وخافت على شرفها، ولجأت إلى الركن خوفاً من الافتراس وأيقنت بقرب الخاتمة، وليس أكثر إثارة للذكر الآدمي من الأنثى الحسناء في زي النمر، وقد نهى الحديث عن زي النمر، لما فيه من استعلاء وهو زي العجم.

وقالت ميرفت في نفسها: هذا جزاء من يتخلى عن كرامة الإنسان ويعمل في هيئة الحيوان، إلا أن العجب خطفها، لأن النمر اقترب منها بهدوء ولطف، وربض بجانبها، ثم سمعته يتكلم وينطق مثل البشر، فقال لها: لا تخافي يا حبيبتي، أنا زميلك جعفر، ماجستير اقتصاد!

انتهت النكتة المعروفة، التي رويتها بأسلوبي وكلماتي، فربما أفسدتها وإن كنت أريد إلا الإصلاح، وقد ذكّرتني النكتة بأشهر قصة لزكريا تامر "النمور في اليوم العاشر".  

للنكات أعمار قصيرة لكنها سريعة الانتشار، والكلمات لها أعمار طويلة. روى علي فهمي خشيم سيرة بعضها، في كتاب "رحلة الكلمات" وهو من أجمل الكتب التي قرأتها في حياتي، وأسوأ ما يقوم به المرء أن يروي نكتة قديمة في سهرة أو جماعة، ورويت مرة نكتة قديمة، ولم تكن قديمة وحسب، كانت نكتة عمومية مثل قبقاب الجامع، فنظر إليَّ المستمعون وعينهم تقدح هجاءً، ثم سكتوا بعد روايتي النكتة، فتمنيت لو تنشق الأرض وتبلعهم هم وليس تبلعني أنا، ولو كانوا مسلحين لأطلقوا عليّ النيران الصديقة حتى يحوّلوا جسمي إلى غربال، ويجعلوني عبرة لمن اعتبر وإرغاماً لمن روى نكتة قديمة وكفر.

وهي تذكّرني بنكة سورية قديمة عن الرياضة، بطلاها حسب الظهور والاختفاء، الحارس مالك شكوحي وعبد القادر كردغلي ملك الكرة السورية وكابتن المنتخب في الثمانينيات، سأرويها للأجيال الجديدة لأنها قديمة، وذلك أنهما كانا عائدين مهزومين من مباراة دولية للشباب، وكان الفريق البرازيلي البطل قد "طقهم" ستة أهداف مثل العسل، ولم يجرؤ أعضاء الفريق على الظهور أمام الناس، وكان أن ملَّ اللاعبان من الحبس في البيوت وقررا التجول فتنكرا في زي نساء من غير اتفاق بينهما. فوجئ مالك شكوحي وهو يتجول في سوق النسوان بحثاً عن عطور أنثوية، بصوت يناديه باسمه من غير كلفة: شكوحي.. شكوحي، فالتفت مستغرباً، وقال للمرأة التي نادته: ايدي على راسك والفريق البرازيلي كباسك، كيف عرفتِ اسمي يا حلوة؟

فكشفت الحلوة الملحّفة عن رأسها وقالت: أنا عبد القادر كردغلي يا مضروبة.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فقد تذكّرتُ للقراء نكتة حارس المرمى السوري الشهير أحمد عيد ما دام القراء غير مسلحين ولا أرى نظرات الشزر في أعينهم الجميلة، ولا يعرفون النكات القديمة، والنسيان نعمة كبيرة، وكان ماراً بعمارة يحترق فيها الطابق الأخير، وخرجتْ إلى الشرفة سيدة في حضنها رضيعها وهي تستغيث، واجتمع بعض المارة يريدون أن ينجدوها فلا يجدون سبيلاً، فهتف بها يخبرها أن الإطفاء سيتأخر، وإذا جاء سيكون قد نسي الماء، الرد على الحريق لن يكون في الوقت والزمان المناسبين، كالعادة، وتضرع إليها أن ترمي بالولد، فهو أحسن حارس مرمى في سوريا، وسيلتقط الولد، وينجيه، فقد يختنق بالدخان، وما زال بها حتى وافقت، فقذفت بولدها، وكان عيد بالمرصاد، فتلقف الولد، وما أن صار في حضنه حتى "شاطه" إلى منتصف الملعب!

وكان لي صديق اسمه بهزاد يعمل في تجارة الشنطة، زرته أول مرة، وعندما دخلت وجدت ملصقاً سينمائياً (بوستر) للنجمة الإيطالية أورنيلا موتي، التي مثّلت بطولة فيلم "الزوجة الأكثر جمالاً" في عام 1971 من إخراج داميانو دامياني، ولا أدري ما الذي جعلني أقف أمام صورتها الجميلة وألفظ اسمها بصوتٍ عالٍ: أورنيلا موتي.

فوقعتْ مفاجأة غريبة عند نطقي لاسمها السحري!

جثا بهزاد على قدميه مثل الممثل المصري في فيلم "معبودة الجماهير" أمام شادية، والذي أدّى دور العاشق، ففضله المخرج على عبد الحليم ومنحه دور البطولة، وجمع بهزاد يديه في رجاء ضارعاً أمام بوستر أورنيلا موتي، وصاح بأعلى صوته مستجيراً:

لالا لاااااااااااا لا تموتي.

دراسة سريعة للنكتة الأولى التي رويتها، وأفسدتُها بالملاحظات والهوامش والحواجز الطيارة والسيارة، والتي يليق بها عنوان: "النمراوات" في اليوم السابع.

  • أن الحيوانات أكرم من البشر في الدول العربية

  • أنه حتى نعيش مثل الحيوانات لا بد من الحصول على شهادة عليا.

  • أن الحيوانات تنقرض وتموت من القهر في أقفاص الدول العربية التي يديرها مديرو حدائق حيوان يسرقون طعامها.

  • أن الثروات العلمية مهدورة في البلاد العربية.

  • أن قصة زكريا تامر تحليلية ومأساوية، وأن الطرفة المذكورة سريعة وكوميدية.

  • أن عروض الشهادات العليا المتنكرة في جلود الحيوانات في حديقة الحيوان، أفضل من عروض الحيوانات البشرية في سيرك الجبهة الوطنية التقدمية أو سيرك البرلمان.

والله الموفق والمستعان.






شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها