آخر تحديث:16:47(بيروت)
الخميس 07/03/2019
share

ما بعد الصهيونية

لوري كينغ | الخميس 07/03/2019
شارك المقال :
ما بعد الصهيونية Getty ©
الحوار والمعارضة: معاداة الصهيونية بوجه معاداة السامية.
في حين أنه من الممكن تماماً أن يكون كلاهما معادياً للصهيونية والسامية، فإن المصطلحين ليسا متشابهين. معاداة السامية هي مرض عقلي جماعي دمر ملايين الأرواح. لكن معاداة الصهيونية إطار سياسي مهم ومن المحتمل أن يكون موقفاً سياسياً أخلاقياً. أن تكون يهودياً وتنتقد الصهيونية لا يعني أن تكره نفسك، بل أن تمتلك الشجاعة للتغلب على الحكمة التقليدية وأن تتحدث عن الحقيقة حول إساءة استخدام السلطة. إن جنون معاداة السامية في ازدياد مرة أخرى، من دون شك. من بين القوى الوطنية الظلامية والعصبية البيضاء التي أطلقها انتخاب دونالد ترامب في عام 2016، الكراهية غير المنطقية لليهود واليهودية. 
قبل بضع سنوات فقط، لم يكن باستطاعة معظم الأميركيين تخيل رؤية أعلام "الصليب المعقوف" مرفوعة عالياً، بل حتى مستخدمة كأسلحة في المظاهرات العامة. لكن منذ ما يقرب من عامين، في "احتجاج اليمين المتطرف" في شارلوتسفيل، فيرجينيا، رأينا بالفعل مثل هذه الصور، وأكثر ترويعاً، مشهد مئات الرجال البيض الذين يسيرون رافعين المشاعل في الليل وهم يصرخون "اليهود لن يأخذوا مكاننا". وقبل أربعة أشهر فقط في بيتسبيرغ (مسقط رأسي)، اندلعت هذه الكراهية بشكل مروع عندما اقتحم رجل مسلح، يصرخ بهتافات معادية للسامية، كنيساً يهودياً أثناء صلاة السبت وقتل بالرصاص أحد عشر مصلياً. كان هذا أسوأ عمل عنيف ضد اليهود في تاريخ الولايات المتحدة. من الواضح أنه تم إطلاق العنان لشيء سامٍ في المجال العام في أميركا، وعدم التحدث ضده هو تقصير في الواجب.
وفي أوروبا أيضاً، تتصاعد معاداة السامية، كما يتضح من تزايد أعمال التخريب في المقابر والمعابد اليهودية، وفي خطاب قادة مثل فيكتور أوربان في المجر، والمجموعات اليمينية المتطرفة المتزايدة في ألمانيا، وهولندا، والسويد. (من الغريب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة يسعدان بإرضاء أوربان). على مدار الشهر الماضي، تركزت معظم عناوين الأخبار في الولايات المتحدة التي تركز على موضوع معاداة السامية في الخارج، على حزب العمال البريطاني. يبدو من الغريب أن حزباً مكرساً للعدالة الاجتماعية ومناهضة العنصرية سيتحول فجأة إلى طبق ساخن على مائدة معاداة السامية والاتهام المتبادل بين قياديي الحزب، لكن هذا هو ما وصل إليه. يواجه حزب العمال خطر الانفصال، وقد استقال العديد من أعضاء الحزب، وبعضهم من اليهود، لتشكيل مجموعة جديدة. يرى بعض الأصدقاء في المملكة المتحدة ذلك كمحاولة لتقسيم العمل لأن جيريمي كوربين مؤيد للفلسطينيين. ويعبّر آخرون عن الإحباط، وحتى القلق، من الميول والخطابات المعادية للسامية بين بعض قادة حزب العمال. من المؤكد أن الوضع أكثر تعقيداً وإزعاجاً مما قد توحي به نظرة سريعة على "تويتر"، وما يعتبره كثيرون أنه معاداة السامية هو على الأرجح نتيجة عدم الحساسية والتعبير عن الميول الأساسية والنزعات بين قادة حزب العمل، وهو أمر يجب فحصه.
وعلى نحو مماثل، في فرنسا، قامت حكومة إيمانويل ماكرون، تحت ضغط من الاحتجاجات التي يشنها اليهود، بإخضاع الفصائل المعادية للسامية إلى إجراءات قانونية خاصة، حتى لو أنها ذهبت إلى حدود بعيدة من خلال جعل معاداة الصهيونية جريمة جنائية. يجب أن تخضع الخطابات والمناهج المعادية للسامية لمراقبة عامة لا لبس فيها. لكن يبدو من غير المحتمل أن تصبح مساحات شاسعة من الجمهور الفرنسي فجأة معادية للسامية بين عشية وضحاها. على الرغم من أن بعض وجهات النظر والخطابات هي معادية للسامية، إلا أنه ليس من المريح جداً أن يرفض ماكرون الحركة بأكملها بصفتها هذه. في هذه الأثناء، في اليمين الفرنسي، أصبحت مارين لوبان، ابنة أحد ناكري الهولوكوست الشائنة، على علاقة جيدة بحكومة نتنياهو الليكودية. إنه أمر محير للغاية.
هنا في الولايات المتحدة، تجد عضو الكونغرس الديموقراطية المسلمة إلهان عمر نفسها مجدداً في شريط الاتهامات بمعاداة السامية، لدعمها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، ولانتقادها التأثير الكبير للوبي المؤيد لإسرائيل، من خلال حملات تمويل الكونغرس وفرض القيود على النقاش المفتوح حول إسرائيل. اليهود الأميركيون من بين مؤيدي عمر وكذلك من ينتقدونها. لا أعتقد أن عمر معادية للسامية. وترتكز مواقفها على المبادئ الأخلاقية والالتزام بالعدالة الاجتماعية، وتتفق مع آرائها والتزاماتها السياسية بشأن الاهتمامات المحلية الملحة في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، من الضروري بحث الاتهامات بمعاداة السامية عن كثب، والتمييز بين الكراهية اللاعقلانية لليهود وبين الانتقادات الصائبة (والمتأخرة) لدولة إسرائيل. لا تمثل إسرائيل جميع الطوائف اليهودية في العالم. من الواضح أن الانشقاق على الصهيونية داخل المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة يكشف عن انقسام متزايد بين الشباب اليهود التقدميين من جهة، وبين الجماعات والأفراد الأكبر سناً المؤيدين لإسرائيل من جهة أخرى، وكثيرون منهم يشكلون القيادة العليا لكل من القيادتين الديموقراطية والجمهورية في الكونغرس. مع جنوح الحزب الديموقراطي إلى اليسار في الفترة التي تسبق انتخابات 2020، والتي يجب على الديموقراطيين الفوز بها لإنقاذ الولايات المتحدة من كارثة رئاسة ترامب، مناقشة صريحة للاختلافات بين معاداة السامية ومكافحة الصهيونية هي أمر حتمي إذا كان على الحزب الديموقراطي أن يتجنب الاضطراب والفوضى التي تجتاح حزب العمال في المملكة المتحدة.
لكن المواقف في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة غير قابلة للمقارنة. المجتمع اليهودي البريطاني صغير وينقسم بالتساوي بين اليسار واليمين. في حين أن الجالية اليهودية في الولايات المتحدة أكبر، وأكثر وحدة، وداعمة بشكل عام للحزب الديموقراطي.. 
أكبر قاعدة للدعم الأميركي لإسرائيل موجودة على يمين الطيف السياسي الأميركي. يدعم المسيحيون الإنجيليون إسرائيل من دون قيد أو شرط، ويقوم اللوبي المؤيد لإسرائيل على حد سواء برعايتها ويعتمد عليها لضمان أن يسود السياسيون الموالون لإسرائيل في الكابيتول هيل. الإنجيليون، مع ذلك، هم في الواقع معادون للسامية ينظرون إلى إقامة إسرائيل كخطوة ضرورية لتمهيد الطريق لعودة يسوع المسيح والقيامة. بالنسبة لهذا اللاهوت المسيحي الغريب والفاسد، يجب أن يجتمع اليهود في الأرض المقدسة قبل أن يعود يسوع وتحدث البهجة. اليهود الذين لا يقبلون المسيح سيدخلون في نيران الجحيم مع غير المؤمنين الآخرين. مجموعات كبيرة ومنظمة تنظيماً جيداً مثل المسيحيين المتحدين من أجل إسرائيل (CUFI) تنفخ هذا الخطاب المجنون، واللوبي المؤيد لإسرائيل أكثر من سعداء بالتحالف معها، وهي لعبة خطرة في البيئة الأميركية الحالية النابية والعنصرية. لذا، فإن بعض أشكال معاداة السامية مقبولة ومفيدة للغاية للوبي المؤيد لإسرائيل في السياسة الأميركية. لكن الناخبين الإنجيليين نادراً ما يُتهمون بمعاداة السامية في الخطاب السائد، رغم أنهم حاسمون للغاية في دعم الكونغرس لأسوأ تجاوزات الحكومة الإسرائيلية.
في أوائل عام 2001، بينما كنت أكتب الفصول الأخيرة من أطروحة دكتوراه (https://www.amazon.com/Postzionism-Reader-Laurence-Silberstein/dp/0813543479) عن تشكيل الهوية الفلسطينية والسياسات البلدية في الناصرة، أكبر مدينة عربية في إسرائيل، كان بعض المفكرين الإسرائيليين يكتبون عن "ما بعد الصهيونية".
وجدت تحليلاتهم ونقدهم مفيداً للغاية، ناهيك عن الأمل، حيث أنهيت رسالتي، والتي لاحظت فيها أن الصهيونية تقيّد بشكل خطير حقوق الإنسان والكرامة وفرص الحياة للمواطنين الإسرائيليين غير اليهود، الذين كانوا يمثلون سدس سكان إسرائيل. غير أن هجمات القاعدة على مركز التجارة العالمي والبنتاغون في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، أسكتت هذه الخطابات والخطب المشابهة لها في الأوساط الأكاديمية الأميركية والإسرائيلية، وينبغي لأي شخص مهتم بمستقبل إسرائيل أو الشعب الفلسطيني أن يراجع هذه الأدبيات. وجهة نظري الشخصية هي أن الحل العادل لكابوس الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني هو حل الدولة العلمانية. بالنسبة لمعظم الأميركيين، هذا حلم يثير الضحك الساخر.
بعد أن عشت في إسرائيل لمدة 18 شهراً، أستطيع أن أقول بشكل لا لبس فيه أن أي شخص تتخيل التزاماته المعادية للصهيونية إزالة كل اليهود من فلسطين يعيش في عالم أحلام خطير، وأغامر بالقول بأن معظم أصدقائي الفلسطينيين داخل إسرائيل سوف يتفقون معي. لكن على الإسرائيليين، ومن يدعمهم، أن يتعاملوا بصدق مع السياسات والممارسات العنصرية القاتلة للحكومة الإسرائيلية، سواء في ظل الليكود أو العمل. لقد أدت هجمات الجيش الإسرائيلي المتسلسلة على سكان غزة المحاصرين إلى أن بعض أصدقائي اليهود في الولايات المتحدة باتوا يرون الصهيونية كجزء من المشكلة، وليست حلاً. وكما أخبرني محامٍ إسرائيلي خلال بحثي الميداني، "كان المقصود من الصهيونية التمييز، وليس العنصرية، بين اليهود وغير اليهود. لكن من الناحية العملية، فإن أي شخص غير يهودي لا يسعه إلا أن يشعر بالتمييز ضده وأنه يعامل بطريقة غير عادلة". إذا كان هناك وطن آمن للشعب اليهودي يعتمد على معاناة الآخرين، والأسوأ من ذلك، إسكات معاناتهم، فالصهيونية مشروع فاشل يستحق نقداً جدياً ونقاشاً مفتوحاً.
يبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ومؤيديها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يعملون بنشاط على تذخير فكرة أن معاداة الصهيونية تعادل معاداة السامية. إن النقاش الصادق والمفتوح أمر حتمي في الفترة التي تسبق انتخابات العام 2020، وإمكانيات إقامة تحالفات أوسع نطاقاً وتجديد الالتزام بحقوق الإنسان في الميزان. يجب على الحزب الديموقراطي أن يقاوم الميول لرؤية أي انتقاد لإسرائيل كمعاداة للسامية. في الوقت نفسه، يجب على أولئك الذين ينتقدون إسرائيل أن يكونوا حساسين للغاية تجاه مخاوف اليهود الذين عانوا من آلاف السنين من الاضطهاد. يجب أن تكون الانتقادات الواعية المدروسة للصهيونية عنصراً أساسياً في برنامج الديموقراطيين في عام 2020. ربما حان الوقت لإعادة صياغة النقاش ليس كـ"معاداة الصهيونية"، وإنما "ما بعد الصهيونية".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب