آخر تحديث:20:01(بيروت)
الأربعاء 06/03/2019
share

"حصان طروادة" الروسي

بسام مقداد | الأربعاء 06/03/2019
شارك المقال :
  • 0

"حصان طروادة" الروسي
بعد النقاش الواسع ، الذي أثاره مساعد الرئيس الروسي فلاديسلاف سوركوف أواسط الشهر المنصرم، حول "دولة بوتين "الأبدية" واستعصاء الشعب الروسي "العميق" على الفهم والدراسة، فجر رئيس الأركان الروسية فاليري غيراسيموف، السبت المنصرم في 2 من الشهر الجاري ، نقاشاً متصلاً بأمن "دولة بوتين" هذه ، وعلاقتها بالشعب "العميق"هذا وحركات احتجاجه المحتملة . تحدث غيراسيموف في الإجتماع السنوي لأكاديمية العلوم الروسية حول الإستراتيجية الجديدة لخوض الحروب، التي يعدها البنتاغون تحت اسم "حصان طروادة"، والرد الروسي عليها . وكان البنتاغون قد أعلن أواخر الشهر المنصرم عن المباشرة بوضع استراتيجية جديدة لحوض العمليات الحربية ، تقوم على استخدام كافة الإمكانيات العسكرية المتاحة للتغلغل الخفي في عمق أراضي العدو، وتوجيه ضربات دقيقة إلى المواقع الضعيفة لديه ، وتلعب فيها المقاتلات F-35 دور المنسق في الهجوم .

وعلى الرغم من أن الإعلام الرسمي الروسي قد نقل في حينه ما أعلنه البنتاغون عن استراتيجيته هذه، إلا أن ما تحدث عنه غيراسيموف وبنى عليه لعرض الإستراتيجية الروسية المضادة ، كان مختلفاً كلياً. فقد كتب ألكسندر غولتس، رئيس تحرير موقع "المجلة اليومية" الروسي المعارض في 4 الشهر الجاري يقول أن غيراسيموف صور الإستراتيجية الأميركية الجديدة "حصان طروادة"، بأنها ليست أكثر من الإستخدام الفعال للطاقة الإحتجاجية "للطابور الخامس"، وتنظيم "ثورة ملونة" (هكذا يسمي الروس ثورات "الربيع العربي") تترافق مع توجيه ضربات بالأسلحة الدقيقة إلى الأهداف المهمة. ويقول بأن كلام غيراسيموف لا يمت إلى الواقع إلا بصورة مواربة، إذا ما قارناه بما جاء على لسان رئيس أركان سلاح الجو الأميركي الجنرال ديفيد غولدفاين، الذي أعلن أواخر الشهر المنصرم عن مباشرة البنتاغون في وضع استراتيجية "حصان طروادة" لخوض العمليات الحربية ضد الأعداء المفترضين. ويقول بأن الجنرال الأميركي لم يأت على ذكر استخدام " الطاقة الإحتجاجية" لأي طابور خامس، وهو يتحدث عن ما يخطط له الإستراتيجيون الأميركيون من التغلغل الخفي للقوات الأميركية من البر والجو والبحر في وقت واحد . وما ظهور المقاتلات F-35 قرب حدود العدو المفترض، سوى إنذار له، بان القوات الجوية والبحرية والبرية الأميركية قد أصبحت داخل أراضيه .  

وينقل غولتس عن غيراسيموف قوله ، بأن روسيا مستعدة لصد أي من مثل هذه الإستراتيجيات ، وأن العلماء العسكريين الروس قد بلوروا مع الأركان العامة ، خلال السنوات الأخيرة، مقاربات مبدئية لصد أية عمليات عدوانية للأعداء المفترضين. وتقوم هذه المقاربات على أساس "استراتيجية الدفاع النشيط" ، التي تفترض اتخاذ جملة تدابير لتعطيل المخاطر المحدقة بأمن الدولة .

ويؤكد الإعلامي المذكور، أن العسكريين الروس يجهدون في السنوات العشر الأخيرة لحل مشكلة مستعصية مبدئياً ، تتمثل في "شرعنة" إمكانية استخدام القوات المسلحة ضد شعبها . ويقول بأن رئيس أكاديمية العلوم العسكرية محمود غارييف "المعروف بقدرته الفريدة على تلمس اتجاهات الريح"، أخذ يتحدث فجأة في أواسط الأعوام 2000 عن ضرورة العثور على رد عسكري على التهديدات غير العسكرية . وقد تطورت هذه الموضوعة بعد "ميدان" كييف واجتياح القرم وبداية الحرب السرية في الدونباس .

ويقول بأن رهاب الكرملين الرئيسي، المتمثل بالخوف مما يسمى "الثورات الملونة" ، كان محكوماً بأن يتخذ بعداً عسكرياً. ويعتبر القادة الروس، أن اية محاولة من قبل الشعوب للتخلص من الحكام المتسلطين ، هي نتيجة مؤامرات حاكتها أجهزة المخابرات الغربية. وينقل عن وزير الدفاع سيرغي شويغو قوله في العام 2014 ، بأن "الثورات الملونة" تتخذ ، أكثر فأكثر، شكل الصراع المسلح ، ويتم تطويرها وفق معايير الفنون العسكرية ، وتستخدم في ذلك كافة الأدوات المتوفرة .

ويؤكد غولتس، أن محاولة إعلان الثورات الشعبية شكلاً جديداً للعمليات العسكرية ، تتضمنها النسخة الأخيرة من العقيدة العسكرية الروسية، التي وقعها الرئيس بوتين في العام 2014 . فقد ورد في باب "المخاطر العسكرية الداخلية الأساسية "، أن من بين هذه المخاطر "العمل على التأثير الإعلامي على السكان، وعلى المواطنين الشباب، بالدرجة الأولى، والذي يستهدف تقويض التقاليد التاريخية والروحية والوطنية في مجال الدفاع عن الوطن". ويقول واضعو الوثيقة ، أن الصراعات العسكرية المعاصرة تتسم "بالإستخدام المتكامل للقوة العسكرية والتدابير السياسية والإقتصادية والإعلامية ، وسواها من الإجراءات ذات الطابع غير العسكري، والتي تترافق مع الإستخدام الواسع لطاقة السكان الإحتجاجية وقوات العمليات الخاصة". ويلفت الرجل إلى أن الوثيقة تساوي بحديثها هذا بين احتجاج السكان على أمر ما يعترضون عليه، وبين عمليات القوات الخاصة التخريبية التابعة لدولة معادية .

ويقول غولتس أن الكرملين، وقبل عام تقريباً من الأزمة الأوكرانية، اعتمد ما يسمى "عقيدة غيراسيموف"، التي تقول بأن حروب الجيل الجديد، التي يخوضها الغرب في القرن الحادي والعشرين ، تتسم بالتوجه نحو" محو الحدود بين حال السلم وحال الحرب. فالحروب لم تعد تُعلن، وهي إذ تندلع، لا تسير وفق القوالب المعهودة ، وتزايد فيها دور الوسائل غير العسكرية في بلوغ الأهداف السياسية والإستراتيجية ، والتي تخطت بفعاليتها قوة السلاح في عدد من الحالات .

وإذ يؤكد الكاتب أن تطبيق "عقيدة غيراسيموف" قد أدى إلى عزلة الكرملين دولياً، يقول بأن الأركان العامة تعود مجدداً لاعتماد لمحاولة التوفيق بين الطرق "العسكرية" و"غير العسكرية" في بلورة مخططات عملانية لاستخدام القوات المسلحة ضد الشعب في شوارع المدن الروسية، مبررة ذلك بما تفبركه عن استراتيجية "حصان طروادة" غير الموجودة لدى الأميركيين.
   

اللافت أن بعض المواقع الإعلامية الروسية، التي تقول باستقلاليتها عن الكرملين ، لم تشكك مطلقاً بوجود الإستراتيجية الأميركية "حصان طروادة" هذه على النحو، الذي قدمه بها قائد الأركان الروسية فاليري غيراسيموف، وانطلقت في الحديث عن مخاطر هذه الإستراتيجية على روسيا. فقد كتبت صحيفة القوميين الروس "SP" مقالة بعنوان :"عملية "حصان طروادة" : الولايات المتحدة خططت كيف تسحق روسيا نهائيا"ً . وتقول بأنه لا يرقى أي شك بوجود مثل هذه الإستراتيجية، طالما تحدث عن وجودها كل من رئيس الأركان الروسية ونائب وزير الدفاع الجنرال فاليري غيراسيموف ورئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال ديفيد غولدفاين. وتقول أن هذه الإستراتيجية موجهة ضد روسيا والصين، وتفترض، إلى جانب التدخل العسكري باستخدام الأسلحة عالية الدقة، تدمير البلد من الداخل عن طريق حركات الإحتجاج. وتشير إلى أن الإستراتيجية الأميركية هذه قد نجحت في إسقاط الإتحاد السوفياتي بإغراقه بالتناقضات الداخلية، وهي مسؤولة عن ما حدث في يوغوسلافيا وليبيا والعراق واوكرانيا .

ومن جانبها، كتبت صحيفة "NG"، التي تقول بانها مستقلة، بأن الولايات المتحدة تطلق استراتيجية"حصان طروادة" في الشرق الأوسط. وتقول بأن الإستعداد لسحب القوات الأميركية من سوريا ، لا يحول دون انتهاج الولايات المتحدة سياسة متشددة هناك موجهة ضد خطط المساعدات الإنسانية لكل من دمشق وموسكو. وتقول بأن مثل هذه السياسة المتشددة للولايات المتحدة تنسجم كلياً مع استراتيجية "حصان طروادة" ، التي يعدها البنتاغون لخوض العمليات الحربية .

يبدو من الواضح، أن تقديم رئيس الأركان الروسية لاستراتيجية البنتاغون في خوض العمليات الحربية ضد الأعداء المفترضين ، بانها "حصان طروادة" يستخدم احتجاجات سكان البلدان المعنية لتدمير هذه البلدان من الداخل، لس إلا تغطية لوجود "حصان طروادة روسي" حقيقي يبرر استخدام الجيوش في قمع احتجاجات شعوبها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها