آخر تحديث:13:08(بيروت)
الجمعة 15/03/2019
share

من نيوزيلندا الى الرقة

مهند الحاج علي | الجمعة 15/03/2019
شارك المقال :
من نيوزيلندا الى الرقة

أول النقاشات بعد الإعتداء على مسجدين في نيوزيلندا حيث سقط أكثر من خمسين قتيلاً وعشرات الجرحى، من المدنيين والعُزل، كان عن قوانين حمل السلاح في البلد، وكأن الجريمة فردية لها علاقة بسوق السلاح، ولا سياسة أو ثقافة نامية وراءها.

والحقيقة أن هناك سياقاً لهذه الاعتداءات في العالم الغربي، من إريك رودولف في الولايات المتحدة إلى أنديرس بريفيك في النرويج، ومنفذ هجوم نيوزيلندا أخيراً. وراء عمليات القتل الجماعية هذه، شعوران أو دافعان أساسيان. الشعور الأول هو التفوق على الآخر، إذ يُراكم هؤلاء المنفذون الشباب ثقافة يمينية كارهة للآخر بصفته أقل، جينياً وثقافياً. والثاني يكمن في الإحساس بخطر الآخر (المسلم أو المهاجر الكاثوليكي أو الافريقي) "المتآمر" بوجوده، وتحديداً عبر الإنجاب والتكاثر بهدف تغيير النظام من الداخل، بالديموغرافيا قبل السياسة.

وهناك رابط رفيع بين هذه الإيديولوجيا الهشة والاعتداءات، وبين ميل الإعلام اليميني في العالم الغربي إلى التعميم المُبطن أحياناً في تغطيته أخبار المهاجرين، والتقارير عن ارتباطهم بارتفاع معدل الجرائم في الدول الغربية. هذا السلوك مُشابه لما ينشره الإعلام اللبناني مثلاً عن اللاجئين السوريين وأحوالهم ودورهم في ارتفاع معدل الجرائم، وتكاثرهم وغير ذلك. التحريض المُبطن يُغذي هذه النزعات المتطرف، ويُترجم إلى عنف، رغم أن من الصعب الربط مباشرة بينه وبين الاعتداءات الإرهابية.

يُشبه اليميني المُتشدد في الغرب، المتطرف الإسلامي في تبسيطه شؤوناً معقدة في العالم. في العقل الإسلامي المتطرف، تراجع العالم الإسلامي نتيجة العدوان الغربي المتواصل، وتراجع مكانة التعاليم الدينية في الحكم والمجتمع. وبالتالي فإن الحل بالجهاد حتى إقامة الخلافة وطرد المستعمرين. لا علوم اقتصادية هنا ولا تنمية مستدامة ولا تمكين للمرأة لرفع انتاج المجتمع، ولا توسيع اطار المشاركة السياسية، ولا من يحزنون. تبسيط كامل وسهل، يُنتج حلاً مستحيلاً لمشكلة مُعقدة. لذا يدعو المتطرفون الإسلاميون الغرب الى اعتناق الاسلام، قبل قتل مدنيين أبرياء بينهم أطفال في اعتداءات عشوائية تستهدف قطاراً أو حافلة أو حتى مارة على الشارع. وهذه الدعوة السخيفة مردها قناعة راسخة بسحر العقيدة، والعمل الإرهابي الصادر عنها، وكأن الغربي سينبهر أو يخاف اثر الاعتداء، ثم يعتنق الإسلام. العقل التبسيطي مشترك هنا، وهو أيضاً من سمات هذا العصر.

رغم هذه المشتركات بين التطرفين، هناك فارق في ردات الفعل، ينعكس على ديمومة هذه الظاهرة. صحيح أن نيوزيلندا ستتخذ اجراءات لمعالجة هذه الظاهرة، وحماية الأقليات. لكن عند تناول هذا العنف في الإعلام والسياسة، من المهم الربط بينه وبين السرديات اليمينية الرافضة للآخر، إن كان يهودياً أو مهاجراً أو مسلماً (في الغرب) أو مسيحياً (في العالم الإسلامي). وهذه ليست سرديات مُحرمة بل مُقيمة في السياسة والاعلام.

وهذه الظاهرة في الغرب تتفاقم مع صعود اليمين في السياسة، والذي يُغذي تطرفاً مقابلاً سينمو فوق جثة "الدولة الإسلامية"، ويُعيد انتاج موجة جديدة من المتطرفين. مع مثل هذه العمليات في الغرب، وفي ظل جوقة خطاب الكراهية بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لن يحتاج المتطرفون في منطقتنا إلى جُهد كبير للعودة للساحة.

إنها مرحلة قاتمة وحلقة مفرغة ندور فيها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب