آخر تحديث:08:34(بيروت)
السبت 09/02/2019
share

أكراد الضاد

أحمد عمر | السبت 09/02/2019
شارك المقال :
  • 0

أكراد الضاد
برز شاعر كردي يكتب الشعر وينشر في الصحف السورية "الغرّاء"، في سنة 1978 فغبطناه، وتمنينا أن نكتب الشعر الحديث. هو امرؤ القيس الكردي، حامل لواء الشعر في الديار الكردية. بين امرئ القيس الكردي وامرئ القيس العربي ثلاثة آلاف سنة! امرؤ القيس الكردي يكتب بالعربية، ولا يقف على الأطلال، ولا يجلس عندها، ولا ينام عليها.

الأمثلة في كتاب الأدب العربي الحديث، في المدرسة، كانت صعبة التقليد، نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وفدوى طوقان. بدر كان أبعدهم دركاً وأبعدهم رحماً، فرموزه كلها، ثكلته أمه، من الأساطير الإغريقية. وكنا نظنُّ ونحن على مقاعد الدراسة أنّ للشعر شياطين، فإذا بها تحتاج إلى ملائكة مثل ملائكة نازك. يمكن استدراج الشياطين إلى فخاخنا، لكن كيف نتصل بالملائكة؟ أين مفاتيح الشعر الحديث؟ من يعرف كلمة سرِّ مغارة الشعر، كيف يختلس الشعراء كنوز الشعر المسروقة من أكباد السماء، كما تفعل الجن فيتبعها شهاب ثاقب. كيف يفتح سمسم الشعر أبوابه للشعراء؟

وكان للشعراء العرب شياطين، مسحل بن جندل شيطان الأعشى، وجُهُنّام شيطان عمرو بن قَطَن، وهَبيد بن الصُّلادم شيطان عَبيد ابن الأبرص، ولافظ بن لاحظ شيطان امرئ القيس، ومدرك بن واغم شيطان الكميت بن زيد الأسديّ، وهادر شيطان النّابغة الذّبياني، وغيرهم.

لم يكن الشعر معروفاً ولا مكرماً في ديار الكرد، خلا مسجوعات كردية لبعض الشعراء بالكردية. وكان الشاعر الكردي بالكردية ما يزال يذكر اسمه في آخر القصيدة توقيعاً، كما قبل عصر التدوين. بعضهم كتب قصيدة حديثة متأخراً في التسعينيات، متأثرا بقراءات الشعر العربي الحديث، لكنها لم تلقَ قبولاً كبيراً، فالذائقة تصقلها الدواوين والأسواق الأدبية وقصور الملوك والخلفاء.

لم يكرّم قومٌ الشعر كما فعل العرب على هذه المدحية، وآية ذلك أنهم علقوا القصائد على جدران الكعبة. القصيدة الحديثة قصيدة مقروءة وبصرية غير سمعية، الحرف الكردي اللاتيني لما يروّض بعد، ولم يكن لدى الكرد سوى أسواق البطيخ والعجّور. الشعر ديوان العرب، الطنبورة ديوان الكرد.

القصيدة الكردية هي الأغنية، واللغة الكردية ممزقة بين الحرف العربي والحرف اللاتيني الطارئ. عمر الحرف اللاتيني في اللغة الكردية أقل من قرن واحد. عمره تسعون سنة. صحا الكرد متأخرين، وعندما صحوا من النوم كانت الشعوب قد تقاسمت غنائم الأرض المجيدة، وأقامت ممالكها، وحددت تخومها بالسيف والنار، وذهبت بالأمجاد؛ الشعر للعرب، القصة للروس، المسرح للإنكليز، لم يبق للكرد شيء سوى الدموع والحسرات وغضب كهياج الإوز.

نسخ جلادت بدرخان الحرف اللاتيني نسخة، وجدها مصادفة في رحلة مع الميجور الفرنسي نويل، الذي كان يكتب الحرف الكردي العربي باللاتينية، فوجده أنسب من الحرف العربي. احتج بعض المثقفين الكرد المترفعين الذين يسابقون الزمن وهم نائمون، ليتصدروا المشهد في العالم الذي أصبح كالصريم، وغدوا على حرد قادرين، وقصدوا الشاعر جكر خوين، قرعوا عليه الباب، فخرج عليهم، قالوا له: مولانا، نريد أن نقتدي بأتاتورك الذي حذف حرف القاف الرجعي ونجعله كافاً، فما قولك؟

كانوا يريدون غزو الكواكب بحذف حرف واحد فقط، والحرف الكردي لم يجد بعد وسادة ينام عليها.

وكان جكر خوين نبيهاً، وسعيداً بالحرف اللاتيني، استبدل بإسم كردي مستعار إسمه من خزانة المعاني المقاتلة، إسمه شيخموس حسن، فصار جكر خوين، الترجمات الكردية الشعبية، تجعل إسمه: نزيف الكبد، فكأنما هو مريض ومصاب بتشمع في الكبد من شرب المنكر، أو من خسارة الأوطان، خسارة الوطن منكرة، وتصيب بتشمع الكبد ونزيف الدموع. الترجمات الحاذقة مثل ترجمة سليم بركات لإسمه في سيرة الصبا هو: بسالة الدم، ويمكن ترجمة الإسم إلى: القلب الشجاع، الدم المقاتل... الترجمة مهارات وبلاغات.

سارعته بديهته، وكان شاعرا مفلّقاً، حاضر القريحة، فسألهم: ما هي أهم مفردة كردية على الإطلاق أيها السادة الأفاضل.

طفقوا في التخمين، وراحوا يضربون أبشار المعاني وظهورها: الغنم، اللبن، الجبن، السيف، الدرع، الطبل والمزمار، الأب، الأم، الوطن..

قال لهم ساخراً: خبتم وخاب مسعاكم، وساء ممشاكم وصبحكم ومساكم، اللفظة هي "قون" أي العجيزة، لا وجود للكرد من غير دُبر. احذف من الكردي دبره يخسر هويته. مؤخرة الكردي تكوينه.

استغربوا أن يقدم شاعرهم الوحيد المؤخرة على الرأس، قالوا: لم نفهم.

حسم الأمر: إذا حذفنا حرف القاف من اللغة الكردية، كيف سنلفظ كلمة "قون"، أين ستذهب مؤخرتنا؟ حلوّا عن مؤخرتي. لن أفتي لكم بجواز الحذف.

عادت النخبة القون حزينة، وولت على أدبارها، وشاعر الكرد ينظر إلى أدبارها، وكان هذا يعني أننا سنبقى في قون الأمم. لكن اللغة التي لم تدون سوى بالأمس سلمت، والحمد لله.

كان المدرسون الوافدون يتعجبون من الطلاب الكرد وهم يضحكون، إذا ما نطق المدرس اسم معدن الزيرقون في درس الكيمياء، أو نطق اسم مدينة قونيه في درس الجغرافيا! ولا يجد تفسيراً.

وكان بعض الفقهاء يقرضون الأراجيز، ويقولون البيت والبيتين في الحجرات باللغة العربية، تشبه أشعارهم أراجيز الإمام الشافعي وأبو العتاهية، فيها عظات وحكم. وكانت الحجرات تسمى بأسماء أصحابها من الائمة والفقهاء، وهي تشبه "المنزول" في الحواضر الإسلامية، يجتمع فيها أهل الله، ويتبادلون النوادر وأخبار الأولين والسلف الصالح. يتصافحون بأدب جم ووقار ثقيل، والمصافحة مشمولة بقبلات على اليد، ينحني الضيف ليقبل يد شيخه تبجيلاً وتعظيماً، فيبادر الشيخ إلى نزع يده وإنقاذها من بأس القبلة خطفاً، وينحني بدوره ليقبل يد تلميذه أو يد ضيفه تواضعاً وردّاً للجميل. كانوا يحمدون فيها آلاء الله أو يذكرون الشمائل المحمدية في أناشيد وابتهالات صوفية، ويشربون الشاي المحلّى بأطايب الأخبار والرقائق والأذكار، ثم فجأة ضربت عاصفة الشعر الحديث، المكتوب بالعربية الديار، فاقتلعت الخيام وأكفأت القدور ونذرت لها النذور.

ماذا نسمي هذه العاصفة؟

نسميها ربيكا..

انقرض الفقهاء وبادوا، وظهر شعراء الشعر الحديث وسادوا، وصاروا ينادون مثل الشعراء العرب، نساء لها أسماء مثل ريبيكا، واليزا، ومادونا.. في قصائدهم فلا يرد عليهم سوى الصدى.

عرفنا الشعر الحديث في أواخر السبعينيات، ولم نكن قد عرفنا سليم بركات من قبل، عرفناه في نثر سيرة الصبا، ولو قرأنا شعره ما تأثر به أحد، فهو صعب التقليد وشاق التأسي، وقصيدته طويلة، والمشاعر فيها مطحونة طحناً ومذرورة مثل حبات الطلع في فصل الربيع.

أول الشعراء الذين كتبوا الشعر الحديث بالعربية، هو "بلو بلو"، كان شاباً يدرس الأدب العربي في الشام، وكان ما يزال في الصحافة السورية هزيع أخير من الثقافة والأدب والتقاليد الصحافية المنحسرة. كتب قصيدة في ملحق الثورة الثقافي، وثانية في صفحة "أدب الجمعة" في صحيفة تشرين، وكانت الصفحات الثقافية أفضل الصفحات في الوطن العربي، ثم تردّت لاحقاً. بعدها بعقد، كفَّ رؤساء تحرير الصفحات الثقافية عن نشر الإبداع، واكتفوا بعروض الكتب. خوفاً من عسكرة الصفحات الثقافية. ثلاثة عقود كان رؤساء الصحف والصفحات، من الجماعة الجزئية، وهو مصطلح يفضله الباحث محمد شاويش على مصطلح الأقليات. لقد فعلت الأقليات الموتورة بنا الأفاعيل.  

 عرف عنكبوت الرمل، بلو بلو، سرَّ كتابة القصيدة الحديثة، قلَّد جاك بريفير ورامبو وبودلير، تقليد الماغوط لم يكن سهلاً، ونزار قباني أصعب، صار إماماً للشعر في بلدتنا النائية، أبعد بلدة سورية على وجه الأرض. بلدة "التراب الميت المذرى". سرُّ كتابة الشعر لا يكمن في الشعر وأغراضه، من مديح ونسيب وهجاء، أهم بواعث الشعر هو القرين، شيطان الشعر، الثاني هو العطالة. الشعراء هم العاطلون عن العمل. سأل الشباب الطامحون إلى علياء القصيدة فالسند: كيف نعثر على القرين، كيف ننادي قريننا من ملكوت الجن إلى عالم الشهادة، كي يلهمنا الأشعار، ويفجر في رؤوسنا الأفكار.

من سيعلم الشباب كتابة الشعر، الحب صعب، ليس من وقت للحب سوى وقت انصراف الصبايا من المدارس، يتربص الشباب على نواصي الشوارع كما تتربص الحيوانات المفترسة في مواسم هجرات حيوان النو والحمر الوحشية، المفترسات عادة تختار أضعف الحيوانات لصيدها، والشباب يختارون أجمل الصبايا لحبهن، لكن الجمال لا يكفي وحده لكتابة الشعر، والجميلات يذهبن إلى أحضان الأغنياء. الأغنياء يعملون في التهريب. كان المهربون يخطفون النساء أيضاً.

لحق الشباب، وكانوا طلاباً في البكالوريا، بعنكبوت الصحافة الذي كان يكتب وينشر في الصحف، وعلموا أنه ينال مائة ليرة عن كل قصيدة، هذا ليس أجراً قليلاً، لو نشر المرء قصيدة كل شهر لعاش مترفاً، بلو بلو ينشر قصيدتين وأحياناً أربع في الشهر، وقد خطب جارته غادة ووافقت، وكانت عربية، فلم تكن العصبية الكردية قد تفشّت، غدت العربية بعد سنوات كفراً بواحاً، قصائده التي أخذها معه شفعت له في الزواج، والعروس لم تكن جميلة، الحب أعمى وأحياناً أطرش وأعرج. الحب إعاقة دائمة نسعى إليها بجنون.

اجتمع بهم أخيراً في بيته الطيني الجديد الذي استأجره ليكون قفصه الذهبي، الجميلة في بيت من طين تجعله من ذهب، وكان يبني بحرة طينية وسط باحة البيت الترابية الواسعة، الخالية من عرق أخضر أو أصفر. لم يكن في البيت سوى هرة.

قال: الشعر ثقافة، يجب أن تقرأوا يا عيوني، تعرفون كيف يصيد المرء السمك؟

أجاب أحد فدائيي الشعر: يأخذ الصياد صنارة إلى النهر ومعه طعوم من الدود.

أثنى عليه: آكل عينيك: النهر هو الكتب، والصنارة هي الموهبة، لا بد من أن تقرؤوا، ستكتبون الشعر، ويجب أن تكون لديكم عاطفة كبيرة، الموهبة ضرورية، ليس كل من يرغب في أن يكون شاعراً صار.

نهض أحد الطلاب البواسل وفي يده كتاب الفيزياء، وروى هذا الخبر لإمام الشعر، منصةً لسؤالهِ: استأذن أبو نواس خلفاً الأحمر في نظم الشعر، فقال له:‏ لا آذن لك في عمل الشعر إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة.‏ ‏فغاب عنه مدة وحضر إليه، فقال له:‏ ‏قد حفظتُها.‏ ‏فقال له خلف الأحمر: أَنشِدْها.‏ ‏فأنشده أكثرها في عدة أيام. ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر، فقال له:‏ ‏ لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها.‏ فقال له:‏ ‏هذا أمرٌ يصعب عليَّ، فإني قد أتقنت حفظها.‏ ‏ فقال له:‏ ‏لا آذن لك إلا أن تنساها.‏ ‏فذهب أبو نواس إلى بعض الأديرة، وخلا بنفسه، وأقام مدّة حتى نسيها. ثم حضر فقال:‏ ‏قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط.‏ ‏فقال له خلف:‏ ‏الآن انظم الشِّعر!

السؤال مولانا، أيها الخلف الأخضر، يا حماداً الراوية، ما هو السبيل إلى النسيان بعد الحفظ والتذكر. هل نذهب إلى الدير أم إلى المسجد؟

قال: يا براعم الشعر، اذهبوا إلى الفردوس فورا، سأفتح لكم دورة في تعليم الشعر الحديث، ولا حاجة للتذكر والنسيان، على أن تدفعوا لي رسوماً مالية، ليرتين لكل درس.  اعتبروها أجرة كوب الشاي.

وإذا وجدت شاعراً بينكم، واعداً، سأصلح له عيوب قصيدته وأرسلها لرئيس التحرير مع تزكية، وأجر القصائد الثلاث الأولى لي.

قلنا نرضى يا مولانا.. خذ أجور قصائدنا كلها، نريد أن نرى أسماءنا في الجريدة، وتقع إحدى الغزالات في مصائد حبنا الحديدية.

وتواعدنا على ميعاد الدرس الأول.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها