آخر تحديث:12:35(بيروت)
الثلاثاء 26/02/2019
share

شرم الشيخ: التوقيت الخطأ؟

شادي لويس | الثلاثاء 26/02/2019
شارك المقال :
  • 0

شرم الشيخ: التوقيت الخطأ؟ السيسي ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك في قمة شرم الشيخ (غيتي)
لم يكن من الممكن للقمة الأولي للجامعة العربية والإتحاد الأوروبي أن تأتي في توقيت أسوأ. تنقل "رويترز" عن مسؤولين لم تسمِّهم، بأن "انعقاد القمة في النهاية إنجاز في حد ذاته". فالقمة التي بدأت أعمالها في مدينة شرم الشيخ، الأحد الماضي، كانت ترتيباتها قد شهدت تعقيدات كادت أن تنتهي بإلغائها أكثر من مرة. فالخلافات بين الجانبين الأوروبي والعربي، لم تكن وحدها المعضلة، فالأزمات العربية-العربية، وفي ما بين دول الاتحاد الأوروبي، كانت حاضرة بالقدر نفسه. في مسألة الهجرة، على سبيل المثال، بدت مواقف دول الاتحاد الأوروبي شديدة التباين. وقبل أسابيع، وصل تلاسن بين مسؤولين فرنسيين وإيطاليين، إلى المعايرة بالتاريخ الاستعماري لفرنسا، واستدعاء السفراء. ولعل الأكثر إثارة للتهكم في تصريحات المسؤولين الأوروبيين بخصوص القمة، هو تشديدهم على أنها "لا تتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي". فأخبار النقاش بين رئيسة الوزراء البريطانية، وبين القادة الأوروبيين، حول البريكزت على هامش القمة، طغت على أخبار القمة نفسها في بعض وسائل الإعلام الأوروبية.

كانت مسألة حضور ولي العهد السعودي للقمة من عدمه، موضوعاً حساساً لبعض القادة الأوروبيين. فقضية خاشقجي، وإن كانت قد بردت إلى حد كبير، لم يتم نسيانها بالكامل بعد. ولم تكن دعوة الرئيس السوداني لحضور القمة، أقل إثارة للخلافات. فالبشير بالطبع مطلوب بمذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية. أما الدول العربية، فلم تقتصر خلافاتها على مسألتي عودة سوريا إلى الجامعة العربية، أو الانقسام الخليجي-الخليجي، فالموقف من الوضع الليبي على سبيل المثال ما زال محور خلاف عربي، تؤدي فيه الجزائر دوراً ليس بالهين في خضم تنافس بين الفرقاء الخليجيين.

كان قدر كبير من المواءمات قد انتهي بالقمة إلى حدث طقسي لا يحمل الكثير من الطموحات، سوى إنجاز عقدها نفسه. فالرئيس المصري، الذي تستضيف بلاده القمة، عاد ليلوك دعوات سلفه مبارك، غير الواضحة وخالية المضمون، بتبني صيغة "شاملة" للتصدي للإرهاب. وانتهز العاهل السعودي الفرصة، مرة أخرى، لتوسل موقف أوروبي أكثر تشدداً من إيران. أما الأوروبيين، فإن إشارتهم الأجدر بالاهتمام، جاءت على لسان رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك: "اليوم نحن هنا لتعزيز تعاوننا لصالح شعوبنا. نحن بحاجة للقيام بذلك معاً، وعدم تركه لقوى دولية بعيدة منا".

ولا يصعب تخمين القوى الدولية التي يشير إليها تاسك. فصدمة فوز ترامب، وموقفه العدائي من الاتحاد الأوروبي، والتحولات المفاجئة والمتواترة في القرارات الأميركية بخصوص الأوضاع في الشرق الأوسط، دفعت الأوروبيين إلى التفكير في استراتيجية طويلة المدى للتعامل مباشرة مع أزمات المنطقة، وبشكل مستقل عن الولايات المتحدة. يعارض الاتحاد الأوروبي، بشكل واضح، موقف إدارة ترامب من الاتفاقية النووية مع إيران، وكذلك مواقفه من وضعية مدينة القدس وعملية السلام إجمالاً. ومع تزايد النفوذ الروسي في المنطقة، انطلاقاً من سوريا، فإن الأوروبيين يسعون إلى استعادة أدوار تاريخية مباشرة في شؤون الدول العربية. فالحرب السورية، وأزمة اللاجئين غير المسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، أقنعت الساسة الأوروبيين بأن توازنات جيرانهم -جنوبي المتوسط- وصراعاتهم ليست شأناً خارجياً، بل هي شأن أوروبي، يكاد يكون محلياً.

كان الرابح الأكبر من القمة، التي لم تتمخض عن الكثير، هو النظام المصري. فعقد القمة في شرم الشيخ، في حد ذاته، كان سبباً للنقد في وسائل الإعلام الغربية. فالقادة الأوروبيون كانوا قد اتُّهموا بمنح الرئيس المصري غطاء معنوياً لسجله الحقوقي شديد السوء. إلا أن النظام المصري ابتغى أكثر من هذا، وحققه بالفعل. فعلى عكس نظام مبارك، الذي لطالما سعى إلى اتخاذ خطوات إيجابية في الملف الحقوقي، قبيل اللقاءات مع قادة غربيين أو تنظيم محافل دولية، فإن النظام الحالي سعى إلى التصعيد قبل القمة الأخيرة. فتسارع وتيرة الإعدامات خلال الأسبوعين الماضيين، وبمعدلات غير مسبوقة، والدفع بالتعديلات الدستورية لتمديد الفترات الرئاسية، تحديداً قبل عقد القمة الأوروبية العربية، يبدو أنه لم يكن من باب التوقيت السيء، بل جاء متعمداً. فالنظام يسعى للتأكيد، للخارج كما للداخل أيضاً، بأنه مطلق اليد، وبلا أي رادع على الإطلاق. والأهم، أنه نجح في ترسيخ القواعد جديدة للعلاقات، بينه وبين المجتمع الدولي، والتي لم يعد فيها مساحة للحرج أو حتى مجرد التظاهر باحترام القواعد الديموقراطية والمبادئ الحقوقية.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب