آخر تحديث:07:53(بيروت)
السبت 23/02/2019
share

الزاوية الكردية الحادة

أحمد عمر | السبت 23/02/2019
شارك المقال :
  • 0

الزاوية الكردية الحادة
اجتمع  الفتية الخمسة الطامحون إلى قرض الشعر قرضاً حسناً، وربضوا أمام أسوار مسألة في الهندسة الفراغية عاجزين، وأصابهم الإرهاق وهم يدكّون معاقلها بمنجنيقات العقل وتدابيره، فانتجعوا إلى الشعر، وضربوا الحصار على الأراجيز.

وقال أذكاهم رأياً وأوراهم زنداً، ولقبه الكركي، فالكرد يتنابزون بالألقاب في المغنم والمغرم، والإقامة والظعن: يا معشر سباع الوغى، أيها الواقفون على تخوم معركة البكالوريا، بعد أن قرأت الشعر الحديث الذي ينشر في الصحف، وأكثره طلاسم ومعميّات، وقع في عقلي أنَّ الشاعر القديم كان وفياً، ويقف على الأطلال ليتذكر الحبيب والنسيب، ويبكي ديار ليلى وعنيزة وأروى وأميمة، أما الشاعر الحديث، قاتله الله، فهو قليل الوفاء، خؤون، حبيبته في بلاد بني الأصفر، لم يرَ منها عوجا ولا أمتا، واسمها لوليتا أو ربيكا، أو إلزا أو بلستسكايا، حبيبته هي حبيبة شاعر آخر، إنها اسم طنّان يشبه ذبابة الكلب. الشاعر الجاهلي الحديث يقف على خرائب الروح ولا يتذكر شيئاً، إنه بلا ذاكرة، فما قولكم؟

قال الجد الشيخ: الشعر الحديث شعر مغشوش، مطفوف في كيله وميزانه.

وكان  الناسك ما يزال مشغولاً بمسألة الهندسة الفراغية، وكانت المسألة تطلب منهم حساب قياس زاوية حادة في دائرة تحصر قوساً بزنديها المفتولين، وتمنعها من الحركة، وتقدير قوسها بالراديان والغراد والدرجة: يا معشر الفتية، هذه الزاوية لها قياسان، زاوية داخلية وخارجية، ولها جيب، وتجيب، وظل، وتظل، وظلها يمتد إلى ألف عام، وتظلها والله أعلم شديد السواد من كثرة الخضرة والأطيار التي تغني فوق أشجارها، ولن أبرح الأرض عاكفاً عليها حتى أفتح الزاوية وأكسر ضلعيها، أو يقضي الله أمراً كان مفعولا.

نظر إليه زملاؤه الأربعة، لقد بدأ الناسك يهذي. الكرد يكثر فيهم الشطح والهذيان. بين الجنون والعبقرية شعرة، ويخشى أن يكون الناسك ترك أرنب الزاوية، أو فلت منه واختبأ في حجرها، وأصبح يطارد ظلها وتظلها سرباً، وأن يعلق في جيب المتاهة وتجيبها عجباً.

قال الملقب بعصفور النمنمة: حنانيك أيها الناسك، إنما نحسب الزاوية ولا شأن لنا بما وراء علم الزوايا والأقواس والأَكَمَة.

دع عنك سهام قوس الزاوية، وامكث في الدائرة، واصطبر، ولا تفارق الجماعة فتموت موتة جاهلية منقوص الدين والغراد والراديان.

الكردي الموهوب بموهبة ربانية، شاعراً أو مهندساً، راعياً أو عتالاً، لا يجد ما يطلق موهبته من أسرها ومعتقلها فيفقد عقلهُ، هذه أرض كالصابون، أو أن ببطنها معادن غير مذكورة في جدول مندلييف تخلب اللب. يكثر المجانين في ديار الكرد، يكون المرء في أحسن حال، طيباً، عاقلاً، حكيماً، يوقر الكبير ويعطف على الصغير، ثم تجده في اليوم التالي حافياً في الشوارع، عارياً، والأولاد يركضون خلفه بالحجارة، فيزيدون جنونه جنوناً.

هو ما يقودنا إلى العطالة. الاقتصاد سببٌ من أسباب الجنون، الأولاد أنفسهم ليس لديهم ما يلعبون به، لا كرة، لا ملاعب، ولا ملاهي سوى الحجارة. أشهر ألعاب الأطفال "اللاكة"؛ وهي حجارة يختارها الأولاد رقيقة، مصقولة الحواف بالمياه، يلتقطونها من قيعان الأنهار، ويلعبون بها بلعبة تشبه البولينغ المعروفة. ليس سوى الزراعة والرعي، وإن جفّت ضروع السماء، وكفَّت السحاب عن البكاء، ماتت الشياه كمداً.

لا أعمال سوى الزراعة، هناك موسمان في السنة؛ موسم الحصاد وموسم الحراثة، إلا من يفتح دكًانة يبيع فيه ما يباع عادة، أو المهن الحرفية التي يسميها حزب البعث في أدبياته؛ صغار الكسبة؛ مثل صيانة الساعات، أو صيانة الأحذية. ما العمل كما يقول لينين؟ العمل هو كتابة الشعر الجاهلي الحديث، الذي يقف فيه الشاعر على أطلال غيره. قال الليث في براثنه: عجزنا عن كتابة قصيدة واحدة.

علق الناسك مرة ثانية في حساب المنطاد في درس الفيزياء، وانكبَّ يبحث عن حساب شدة توتر الخيوط، استطاع زملاؤه زجره وجرّه بعيداً، مع أنه لم يقتنع بقولهم: إنّ المنطاد جملة مستقلة، وليس مثل ماكينة أتود.

قيل لكثيّر عزّة: يا أبا صخر كيف تصنع إذا عَسُر عليك قول الشعر؟

قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إليَّ أحسنه.

قال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعراً؟

فقال: كيف أقول وأنا ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه.

قال الكركي: الشاعر الحديث، يكتئب، ولا شيء سوى الاكتئاب. يجب أن نكتئب.

قال عصفور النمنمة: الشعر ديوان العرب وسجل مآثرهم، ومن الشعر ما قتل، وودّدت لو كنت عارفاً فأجمع بيوت الشعر التي قتلت أصحابها أو مدّت في أعمارهم خلودا.

سأل الجد الشيخ: هات بيتاً قتلَ صاحبه؟

قال: بيت المتنبي الذي أودى به؛ الخيل والليل والبيداء تعرفني، كان هارباً، فذكّره خصمه ببيته هذا، فعاد، وقتل.

الجد الشيخ: وبيتاً أحيا صاحبه؟

قرأ الكركي في معجم العين أنهم رووا في ذلك، أنه خرج وفدٌ من جهينة يريدون النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا عليه سألهم عن مسيرهم، فقالوا: يا رسول الله، لولا بيتان قالهما امرؤ القيس. لهلكنا، قال: وما ذلك؟ قالوا: خرجنا نريدك، حتى إذا كنا ببعض الطريق، إذا برجل على ناقة له مقبلٍ إلينا، فنظر إليه بعض القوم، فأعجبه سير الناقة، فتمثل ببيتين لإمرىء القيس وهما قوله:

ولمّا رَأَتْ أنّ الشّريعَةَ وِرْدُها ... وأَنَّ البَيَاضَ من فَرائصِها دامي

تَيَمَّمتِ العَينَ التي جَنبَ ضارِجٍ ... يُفيءُ عليها الظِلُّ عرْمَضُها الطامي

قد كان ماؤنا نفد، فاستدللنا على العين بهذين البيتين فوردناها. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: أما إني لو أدركته لنفعته، وكأني أنظر إلى صفرته وبياض إبطيه وحموشة ساقيه، في يده لواء الشعراء يتدهدى بهم في النار.

سأل الليث في براثنه: لم أفهم. البيت غامض كأنه شعر حديث.

قال الكركي: هي جاهلية القرن العشرين، يعني استدل التائهون العطاش على عين الماء بشاخصة ضارج، وظلها وتظلها والجيب والتجيب.

قال: عصفور النمنمة مقراً بالهزيمة: فهمت أنّ الشعر العربي فيه غراد وراديان، نحن صغار على قول الشعر.

قال الفتى بالمقلب بالجدِّ الشيخ: طرفة بن العبد شاعر العنيزتين، عُلقت له قصيدة على جدار الكعبة ولا يزال فتى لم يطر شاربه، أفلا نكون مثله؟

قال الجد الشيخ: يا معشر الفتية، قبل أن نكون شعراء، هاتوا حكمة نثراً وحكياً، ثم نصوغها شعراً.

قال الكركي: الحياة وعاءان، معدة وخصية، المعدة الخاوية والممتلئة خطيرة، والخصية الطافحة يرثى لحال صاحبها.

قال عصفور النمنمة: العرب تسمي الطعام والنكاح الأطيبان.

قال الليث: حتى أقول حكمة يجب أن أطرب أو أغضب أو أشرب كوباً من الشاي العجم.

غيّر الكركي الحديث: عندي سؤال: لم سمّى العرب الشعر بالقريض؟  ومدَّ يده إلى معجم لسان العرب، وقرأ فيه مرتلاً الكلمات" أن الْحَسَن: قِيلَ لَهُ: أَكان أَصْحابُ رسولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَمْزَحُون؟ قَالَ: نَعَمْ ويَتقارَضُون.

أَي يَقُولُونَ القَرِيضَ ويُنشِدُونَه. والقَرِيضُ: الشِّعْرُ. وقَرَضَ فِي سَيرِه يَقْرِضُ قَرْضاً: عدَل يَمْنةً ويَسْرَةً؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ. قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: أَي تُخَلِّفُهم شِمالًا وتُجاوِزُهم وتَقْطَعُهم وتَتْرُكُهم عَنْ شِمالها. وَيَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ مَرَرْتَ بِمَكَانِ كذا وكذا؟ فيقول المسؤول: قرَضْتُه ذاتَ اليَمينِ لَيْلًا.

قال: الليث في براثنه: المسؤول، وهل كان في أيامهم حزب البعث؟ لم أفهم.

قال الكركي: يعني الشاعر عندما يقول شعراً فإنه يقرضنا بعضاً من مشاعرنا الضائعة تحت تراب النفس وشجونها التي درستها الرياح من كل جون، ونحن له مدينون.

ويقال في حديثه: إنَّ رجلاً نبغ له ابن شاعر فنهاه عن قرض الشعر، فكمد الغلام بما جاش في صدره من الشعر حتى مرض وثقل، فلما حضره الموت، قال لأبيه كاشفاً عن سبب احتضاره: أكمدُ في القريضِ الممنوع، قال: فاقرِضْ يا بني، قال: هيهات! حالَ الجَريضُ دون القريض. وهذا مثال من الشعر القاتل.

 قال الغلام:

فأُقِسُم لو بقيتُ أقولُ قولاً ... أفوقُ به قوافي كلِّ جنِّ.

لقد مات الفتى مسموماً بالشعر الذي جاش في صدره، فقتله.

قال الليث: لم أفهم.. ما معنى الجريض؟

قال الكركي: الغصة، والهمُّ والغمُّ. المعجم يقول إنّها الجِرّة وهي مَا تجتّره الْإِبِل فتخرجه من أجوافها لتمضغه ثمَّ ترده فِي أكراشها بعد الجرة أَي بعد أَن تجتره.

وهم يتجادلون، كان الناسك قد علق في مخاضة، يحسب شدة الثقالة الأرضية، وكان يرى أنَّ الجاذبية الأرضية غير ثابتة، وإنها أثقل للرجال وأخفُّ للنساء.

قال الكركي: هذا قبل زواجهن. خبرة الآباء تقول: إنّ الجاذبية الأرضية للنساء تزداد بعد الزواج. وسبب ذلك أنَّ النساء حركتهن قليلة، ولا بد من أن تكون للجاذبية علاقة بالحركة والزمن والتسارع، ومقاومة الاحتكاك.

رجاه الأربعة أن يكف عن خلط المفاهيم الفيزيائية ببعضها البعض.

اشتدت عليهم الأيام، وتقدّم الخمسة للشهادة الثانوية، ونجحوا بعلامات متفاوتة، ولم يكتب أحد منهم الشعر، ونال الناسك أعلى العلامات، وكان راغباً في علوم الهندسة، لكن أهله قسروه على دراسة الطب، هي مهنة يحتاجها الناس، لن يقف أهله إذا مرضوا - وكل الناس تمرض- في الانتظار، وهي حرفة تدرُّ مالاً على صاحبها وجاهاً. الطبيب هو مؤجل الموت، كأنه مانح الحياة أو بعضها. ترقّى في السنوات الدراسية إلى أن بلغ الصف الخامس في كلية الطب، ووقع له ما لا يحمد عقباه، وعلق في الزاوية الحادة، كان يقف أمام جثة شاب في مثل عمره، وبدأ يخطب في زملائه والمحاضر، وتناول مشرطاً حاداً وشرط الجثة، فحوّله المحاضر إلى مجلس تأديبي، ولم يتحمل الناسك الفضيحة، وبدأ يضطرب عقلهُ، ويقرص زميلاته في خدودهن، وأحياناً في أردافهن. فطرد من الكلية، وهو الآن يقف على النواصي ساهماً أمام زوايا الشوارع، يحاول قياس أقواسها، وظلها، وتظلها، والجيب، والتجيب، وينظر إلى المارّين كأنهم أطياف، يرد السلام أحياناً، ويسهو كثيراً، ويطلب منهم لفافة ليدخن، الأمر الوحيد الذي تغيّر بعد تلك السنين، هو أنَّ الأطفال كفّوا عن اللحاق بالمجانين بالحجارة لانشغالهم بأفلام الكرتون.

لقد حال الجريض دون القريض.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها