آخر تحديث:12:40(بيروت)
الثلاثاء 19/02/2019
share

أنطولوجيا الدساتير

شادي لويس | الثلاثاء 19/02/2019
شارك المقال :
أنطولوجيا الدساتير من جلسة البرلمان المصري للتصويت على التعديلات الدستورية (غيتي)
للدستور، الذي يسعى البرلمان المصري لتعديله هذه الأيام، ديباجة كان قد وضعها "أدباء" لجنة الخمسين الدستورية قبل أكثر من خمسة أعوام. وحينها أعلن الدكتور محمد سلماوي، المتحدث الرسمي باسم اللجنة، وهو أيضاً رئيس اتحاد كتّاب مصر، بأن "الديباجة ليست مواد صماء وحسب"، مشدداً على "البلاغة" فيها والطبيعة "الوجدانية" لها. ومع إن عضوية الشاعر الكبير، سيد حجاب، في لجنة الديباجة لم تكن ضماناً بتحاشي الركاكة، فلعل تلك البلاغة الضحلة، وعن غير قصد، كانت أصدق ما تضمنه هذا الدستور، والأبعد نظراً فيه. ففي الالتجاء إليها، استهانة بالحرفية التي تدعيها الدساتير لنفسها، وبالهوس الصارم لدى نظرية الدستورية بآليات الفصل بين السلطات والتوازن بين مؤسسات الحكم.

لكن "لجنة الخمسين" لم تكن الأولى التي تشكك ضمناً، وبلا وعي، في ادعاءات "العقد الاجتماعي". فالفيلسوف السياسي الألماني وأحد أهم منظري القانون الدستوري في القرن العشرين، كارل لوفينشتين، كان قد طرح تصنيفاً "أنطولوجياً" للدساتير. ولم يكتفِ التصنيف الثلاثي هذا، بمجرد تجاوز تحليل محتوى الدساتير ومضامينها، إلى النظر في مدى التوافق بين حقيقة عمليات السلطة في الواقع مع المعايير الحاكمة التي تتضمنها الدساتير. بل ذهب أيضاً إلى وجوب التحرر من ثنائية الدساتير المفعلة، في مقابل الدساتير الصورية. فبالإضافة إلى "الدساتير المعيارية"، تلك الحية والمعاشة، و"الدساتير الإسمية" التي تبقى نصوصاً منمقة وواعدة لا علاقة لها بالممارسة السياسية في الواقع، فإن لوفينشتين يضيف فئة "الدساتير الدلالية". فالدساتير السلطوية التي تفرض قواعد تشرعن وتضفي صفة القانونية على احتكار جماعة اجتماعية أو سياسية للسلطة، ليست دساتير صورية، بل على العكس، نافذة ومفعلة إلى أقصى حد. ففاعلية الدساتير لا تعني بالضرورة الديموقراطية.

ويظل تصنيف لوفينشتين محافظاً، إذ لا يذهب إلى رفض فكرة "الدستورية" إجمالاً. فخلافاً للنقد الأكثر راديكالية، الذي يرى الدساتير بوصفها قوننة للوضع القائم أو تعاقداً ما بين الطبقة الحاكمة ونفسها لفرض توازن بين أطرافها، فإن لوفينشتين يؤمن بالإمكانات الديموقراطية المتضمنة في الدساتير، بل ويذهب إلى أن "الدساتير الإسمية" تحمل وعداً ما، وتترك "أثراً تعليمياً"، أو على الأقل تمنح أداة قانونية لجمهور المحكومين، يحاولون من خلالها النضال في سبيل التقريب بين المعلن والقائم، النص والممارسة.

كان دستور "لجنة الخمسين"، دستوراً بليغاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أو دستوراً "إسمياً" لو اتبعنا تصنيف لوفينشتين. نص يحمل وعوداً لم تفعل، ومواد تفصل بين السلطات لم تمنع السلطة التنفيذية في الواقع من التغول على غيرها، ونصوص حاكمة تضمن الحريات لم تحترمها مؤسسات الدولة عمداً. لكن النظام الحالي لم يعد راضياً حتى عن تلك الصورية، وعبئها الخفيف، أو ربما لم يعد يحتاجها بعد الآن. فالدستور الذي وصف بـ"حسن النوايا" يحمل في طياته بعض البلاغة المؤرقة، والكثير من "الوعود" التي لم تنوِ السلطة يوماً تنفيذها.

لا تهدف التعديلات الدستورية المقترحة، التي مررها البرلمان المصري قبل أيام، إلى مجرد مد فترة الرئاسة، بل الانتقال بالدستور من فئة "الإسمية" إلى "الدلالية"، أو بمعنى آخر، المرور من باب النوايا الحسنة إلى إعلان النوايا المضمرة. يسعى النظام إلى ترسيخ نفسه عبر دستور مفعل على أرض الواقع، لا يحمل وعوداً كاذبة، ولا يفرض ازدواجية بين النص والممارسة، بل يشرعن بالنصوص دوراً مباشراً للمؤسسة العسكرية في الحكم، ويقونن انتزاع استقلالية السلطة القضائية، وينتزع من البرلمان صلاحياته التي لم يستخدمها بالأساس. هكذا، يتخلى النظام عن بلاغة شعراء "لجنة الخمسين"، ويسعى إلى نص متقشف في وعوده، صادق في نواياه المعلنة، والأهم أنه سيكون مجرد تدوين لما هو قائم بالفعل، ومحاولة لتأبيده.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب