آخر تحديث:19:04(بيروت)
الإثنين 18/02/2019
share

إستمعوا إلى إلهان عمر

لوري كينغ | الإثنين 18/02/2019
شارك المقال :
إستمعوا إلى إلهان عمر Getty ©
كما هو متوقع، فإن إضفاء طابع "الأكثر تنوعاً" في تاريخ الولايات المتحدة على الكونغرس يغيظ أصحاب الريش ويزعج الحكام الحاليين في العاصمة واشنطن. 
النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز تحظى الآن بتغطية إعلامية كتغطية رئيس "تويتر" دونالد ترامب. ممثلة مجلس النواب في ولاية ميشيغان رشيدة طليب، أول عضو فلسطيني مسلم في الكونغرس، صرّحت بشكل صريح بأن مجلس النواب الديموقراطي الجديد يأمل في اتهام ترامب. إلا أن اللحظة الأكثر إثارة للجدل في المؤتمر الديموقراطي الجديد جاءت الأسبوع الماضي عندما قام عضو جديد آخر هي النائبة إلهان عمر من ولاية مينيسوتا، بالتغريد عما يعرفه أي شخص يتابع سياسة الولايات المتحدة بشكل جيد: اللوبي الأميركي المؤيد لإسرائيل (إيباك) له تأثير كبير وضار على السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، ناهيك عن التأثير الملطف على النقاش العام الحر والمفتوح حول الشرق الأوسط. وباعتبارها واحدة من امرأتين مسلمتين جديدتين في الكونغرس، والمشرع الأول والوحيد في الولايات المتحدة لارتداء الحجاب، فتحت النائبة الصومالية-الأميركية حواراً متأخراً حول دور اللوبي المؤيد لإسرائيل في تشكيل السياسة الخارجية وتقييد الخطاب العام.
ما أثار تغريدة عمر في 10 شباط/فبراير - رداً على تغريدة من قبل الصحافي التقدمي واليساري غلين غرينوالد - كان تعليقات النائب الجمهوري وزعيم الأقلية في مجلس النواب كيفن ماكارثي حولها وحول دعم طليب لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS) لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. مكارثي، الذي أدلى بنفسه بتصريحات معادية للسامية حول دور اليهود الأثرياء مثل جورج سوروس ومايكل بلومبرغ في صنع السياسة الديموقراطية، دعا الكونغرس إلى "اتخاذ إجراء" ضد عمر وطليب لدعمهما المقاطعة. لم تكن هذه مسألة تخص الجمهوريين في مواجهة الديموقراطيين. واحدة من القضايا الأولى التي تناولها الكونغرس الحالي كانت محاولة من الحزبين لتجريم حركة المقاطعة في الولايات المتحدة. كانت الأولوية الأولى لمجلس الشيوخ خلال فترة الاغلاق الحكومي التي استمرت 34 يوماً هي تمرير قانون السناتور عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو لمحاربة حركة "BDS"، والذي يهدف إلى توفير الدعم الفدرالي للولايات التي تحاول وقف نشاط المقاطعة.
رداً على هذه الجهود، قام غلين غرينوالد، وهو يهودي، بذكر عمر وطليب في تغريدة يوم 10 شباط قال فيها: "من المذهل كم من الوقت يقضي الزعماء السياسيون الأميركيون في الدفاع عن دولة أجنبية حتى لو كان ذلك يعني مهاجمة حق حرية التعبير للأميركيين".
وردت عمر قائلة إن "كل شيء يتعلق بالـ Benjamins!"، نقلاً عن كلمات أغنية صدرت عام 1999 من قبل Puff Daddy، لتشرح في وقت لاحق أنها كانت تشير إلى "إيباك". (يشير تعبير "Benjamins" إلى ورقة الـ100 دولار أميركي، والتي تحتوي على صورة للرئيس الأميركي الراحل بنجامين فرانكلين).
القيادات الديموقراطية والجمهورية ردت من الكابيتول هيل، مع وسائل الإعلام الرئيسية، بسرعة، بتوبيخ عمر لاستخدامها "الاستعارات المعادية للسامية" القديمة لتوضيح أن الأموال اليهودية تسيطر على الحكومة الأميركية. النقاد والمعلقون، بما في ذلك تشيلسي كلينتون، ملأوا الإنترنت والهواء لأيام بالتغريدات، والمقالات، والتحليلات، والإدانات، وحتى بعض دفاعات إلهان عمر. عمق المشاعر الذي أثارته تغريدة عمر القصيرة يحوي مجلدات حول قوة "إيباك" لتشكيل وتحديد ما يمكن أن يقال عن الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي الأميركي الذي لا يتزعزع لدولة من الواضح أنها دولة فصل عنصري وانتهاك كبير للقانون الإنساني الدولي.
وقد دفع الخوف من العقاب في تمويل الحملات الانتخابية من "إيباك" الزعماء الديموقراطيين والجمهوريين على السواء لإدانة عمر بشكل لا لبس فيه. بحلول الثاني عشر من شباط، أصدرت عمر اعتذاراً عن استخدام كلمات يمكن اعتبارها معادية للسامية. على الرغم من الانحناء المتواضع لقيادة الحزب الديموقراطي حول صياغة تعليقها، إلا أن عمر لم تتراجع عن انتقاداتها لدور جماعات الضغط والمنظمات المؤيدة لإسرائيل في إغلاق النقاش المطلوب، ومقارنة التأثير المالي الإشكالي لـ"إيباك" بجماعات الضغط الكبيرة الأخرى، وأبرزها جمعية البندقية الوطنية (NRA).
إذا كان ناخبوها وأنصارها قلقين من أن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قد "فقدت جناحيها"، فقد أظهرت عمر أنها بقيت لا تقهر ولا تنكسر في تصميمها على استدعاء منتهكي حقوق الإنسان ونقد السياسات العنصرية والإمبريالية. وفي غضون أيام، عادت إلى العناوين مرة أخرى، هذه المرة بسبب استجوابها الشديد للمبعوث الأميركي الخاص إلى فنزويلا إليوت أبرامز في جلسة استماع في قاعة مجلس النواب يوم 13 شباط.
كانت عمر مجرد طفلة صغيرة عندما شغل أبرامز آخر منصب مؤثر في الإدارة الأميركية. أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 50 سنة سوف يتذكرونه كلاعب رئيسي في قضية إيران-كونترا خلال فترة الثمانينيات في عهد إدارة رونالد ريغان. لو لم يكن هناك عفو رئاسي من جورج بوش الأب في عام 1989، قد يكون أبرامز في السجن في الوقت الحالي. إلهان عمر سألته إذا كان سيدعم التدخل العسكري ضد حكومة نيكولاس مادورو في فنزويلا، وسألت عمر، أبرامز بصراحة: "لماذا يجب على الشعب الأميركي أن يصدق أي شيء تقوله؟". أبرامز، غير المعتاد على انتقاده ومحاسبته، خاصة من قبل امرأة شابة ملونة ترتدي الحجاب، بقي صامتاً.
تغريدة عمر، والنقاشات التي ولَّدتها، تلقي الضوء الساطع على الانقسامات العرقية، والإقليمية، والإيديولوجية، والانتخابية الطارئة على الأجيال داخل الحزب الديموقراطي. تكشف ردود الأفعال على تغريداتها عن تزايد الخلافات والانقسامات داخل المجتمع اليهودي الأميركي. خاصةً وأن عملية "الرصاص المصبوب" الإسرائيلية المروعة على قطاع غزة في أواخر عام 2008، جعلت المزيد من اليهود الأميركيين مستعدين لانتقاد إسرائيل - بشكل علني وسري. النزاع حول انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وكذلك الخلافات مع القيادة الإسرائيلية تتنامى في المجتمع اليهودي الأميركي على مدى العقد الماضي، وخاصة بين الشباب. لعقدين من الزمان، احتفظ اليمين المتطرف بالسلطة في إسرائيل، وفي الوقت الحالي، أصبحت المشاعر السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكثر تقارباً مع مشاعر دونالد ترامب واليمين المتطرف والفاشي في الولايات المتحدة أكثر من وجهات نظر اليهود المعتدلين في الولايات المتحدة. لقد أصبحت سياسات إسرائيل العنصرية والقاسية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بالإضافة إلى تحركاتها القمعية ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل أكثر صعوبة وأقسى بالنسبة لليهود الأميركيين الليبراليين للدفاع عنها. حتى بين الجمهوريين المعتدلين، من نافل القول بالنسبة لهم، إن الاحتلال يجب أن ينتهي.
من البديل المعتدل ل"إيباك" أي "J Street"، إلى ظهور مجموعات مثل أصوات اليهود من أجل السلام، حصل الجدل الأوسع والأقوى حول دعم الولايات المتحدة لإسرائيل على أرضية بين اليهود الأميركيين، وقد أثّر ذلك على الجدل العام حول إسرائيل إلى أبعد من ذلك، حيث المنظمات اليسارية والعربية الأميركية والمسلمة الأميركية والناشطين الذين شجبوا الأعمال الإسرائيلية لعقود. بعد ثلاثة هجمات إسرائيلية وحشية على غزة خلال عقد من الزمن، وفي عصر الإنترنت الذي يمنح الأميركيين مساحة أوسع من التغطية الإعلامية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني أكثر من أي وقت مضى، فإن اللوبي المؤيد لإسرائيل وحلفائها في وسائل الإعلام وعالم السياسة يجدون صعوبة أكبر في السيطرة على الخطاب العام من أجل الدفاع عن سياسات وإجراءات إسرائيل القاسية.
كل هذا ينذر بمواجهة تلوح بين جناحي الحزب الديموقراطي. من جهة، هناك شباب ديموقراطيون متعددو الأعراق وديموقراطيون تقدميون وإشتراكيون، وقد سئموا الوضع الراهن في العديد من القضايا، من الرعاية الصحية إلى الإنفاق العسكري المتضخم إلى الأزمات البيئية. هذه المجموعة ترتاب بحق من تأثير وول ستريت الكبير على الحزب الديموقراطي. من بين هذا الجناح من الحزب، يشعر البعض أن "إيباك" تمثل للديموقراطيين ما تمثله "جمعية البندقية الوطنية" للحزب الجمهوري. يواجه الشباب في أميركا مستقبلاً قاتماً، خصوصًا بعد انهيار الاسواق عام 2008. القروض الطلابية عالية الفائدة وأسعار المساكن الصاروخية تسحق الشباب، مما يجعلهم يؤجلون الزواج وهم يكافحون لتغطية نفقاتهم. كما يعمل العديد من خريجي الجامعات ممن لديهم وظائف بدوام كامل في "اقتصاد العربة"، في أعمال إضافية بدوامات حرة أو يقودون سيارة "أوبر". نقد الرأسمالية النيوليبرالية والمواقف الإيجابية تجاه الاشتراكية يتزايد بين شباب أميركا.
أما مؤسسة الحزب الديموقراطي، من جهة أخرى، فهي تتألف من مجموعة ديموغرافية أقدم بكثير وأكثر ثراء، لا علاقة لها بالصراعات اليومية التي يواجهها العديد من الأميركيين من جميع الأعمار. كان هذا الصدع في الحزب الديموقراطي جلياً بشكل واضح خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016، لا سيما في المؤتمر الديموقراطي، عندما شعر أنصار المرشح بيرني ساندرز بالتهميش والإهمال عندما دعمت "الإستبلشمنت" هيلاري كلينتون. لم يصوت العديد من مؤيدي ساندرز في نوفمبر 2016، وهذا يختصر شوطاً طويلاً لتفسير لماذا أصبح دونالد ترامب رئيساً الآن. (على سبيل المثال، قدم بيرني ساندرز دعما كاملاً لانتقاد إلهان عمر لإيباك الأسبوع الماضي).
وقد صوّت الشباب الديموقراطيون المحرومون في انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر، ومع ذلك، جلبوا كتيبة جديدة نابضة بالحياة من الشباب التقدمي، والنساء، وممثلي الأقليات إلى الكابيتول هيل. دوائرهم الانتخابية منفتحة جداً على انتقاد إسرائيل ودور "إيباك" في السياسة الأميركية. إذا أراد الديموقراطيون استعادة البيت الأبيض في عام 2020، فسيكون من الحكمة الاستماع - بل وحتى الإذعان - إلى إلهان عمر والأعضاء الجدد الآخرين في الكونغرس، بدلاً من محاولة إسكاتهم. إن حقيقة أن "إيباك" ومؤيديها لم يكونوا قادرين على تكميم أو تدمير النائب عمر هو نذير جيد لنجاح التقدميين في عام 2020.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب