آخر تحديث:06:37(بيروت)
السبت 16/02/2019
share

حيتان كردية في بحر الهرج

أحمد عمر | السبت 16/02/2019
شارك المقال :
  • 0

حيتان كردية في بحر الهرج
صباحاً، في ذلك الصيف الذي كان مثل كل صيف، يحوّل القمح إلى ذهب، يعجن ويشوى في تنور الله ويؤكل. حضر الخمسة الدرس الأول، حول النافورة الصغيرة التي بنيت أسوارها الواطئة من الطين، وجلسوا بين يدي “بلو بلو" في الظل، وما هي إلا ساعة كلمح بالبصر، حتى صعدت الشمس مدارج القيظ الذهبي، وهي تلهث، فتقلص الظل من بأس الشمس ووهجها وانحسر، أحضرت لهم عروسه القهوة الصباحية، وظهرت عليها علامات الفخر وهي ترى زوجها يلقن التلاميذ دروساً في الشعر لن ينسوها، فقالوا في سرّهم: ما شاء الله بقرة من كثرة اللحم، وهم يقدّرون العبلاوات، عيوناً وضروعاً، وبدا على الشاعر البطر من النكاح والسعادة. أحضرت له زوجته كرسياً من كراسي البحر القماشية، فاستلقى عليها، وجلسوا هم على كراس خشبية، قصيرة الأرجل، شُدّت عليها جلود مطاطية مقتطعة شرائط من إطارات السيارات. كانوا محرجين من رسوم الحصة المالية، قال لهم: لا خجل في العلم والأدب، أنتم الآن تأخذون دورات في الرياضيات والفيزياء واللغة العربية، وتدفعون عليها أجوراً، وقد تنجحون، وقد تتفوقون، إذا توفرت الموهبة سأجعلكم شعراء، الشاعر أهم من الطبيب والمهندس والمحامي، وقد يكتب أحدكم قصيدة غداً، ويكسب مالاً وشهرة، في يوم وليلة كما تقول أم كلثوم، بينما يحتاج الطبيب إلى عشر سنوات على الأقل.

وضعوا الليرات المعدنية في "المطمورة" التي أشار إليها، فرنّتْ وهي تصطدم بقعر العلبة المعدنية، وحبست فيها، وبات صعباً تحريرها من زنزانة المعدن الانفرادية.

مدَّ الشاعر يده إلى هرته ورفعها إلى حضنه، وبدأ يحكُّ ظهرها كما فعل مارلون براندو في فيلم العراب، في المشهد الذي جاء فيه إيطالي إليه يطلب النجدة، لينتقم له من عصابة ضربت ولده واغتصبت صديقته، صار مشهد الهرّة مشهداً أثيراً في أفلام المافيا والعصابات، وكانت هررة الأباطرة فهوداً. دار حوار وقتها في الفيلم بين الإيطالي المستجير برئيس العصابة، وبين دون كورليوني الذي لم يكن يريد من الرجل سوى أمر وحيد، وهو يحاول أن يوحي له بالطاعة والخضوع، ثم كان أن مدّ يده للرجل فقبّلها. وتمتْ الصفقة، واستوت على الجودي.

كان الشباب وعددهم خمسة قد اصطحبوا جريدة تشرين الغرّاء، التي تصل إلى بلدة الطين المطين بستين طينة، في العصر من كل يوم، وله قصيدة جديدة، في صدر الصفحة الثقافية على الجانب الأيسر، قضى الشباب الخمسة الليل وهم يدرسون القصيدة، فلم يقعوا لطلاسمها على تفسير أو تأويل. كانوا مأخوذين بالحرف المطبوع واسم الشاعر، وكان قد كتب اسم البلدة تحت القصيدة، فسعدوا باسمها يتلألأ في الصحيفة، وكانوا سعداء بالجلوس في حضرة شاعر، يكتب في الصحافة ويدوّن اسم بلدتهم "بأحرف من نور".

 أقرَّ الفتى الأول للعراب الكردي بالهزيمة: الحق إننا لم نفهم شيئاً من قصيدتك الجميلة الزاهية التي نشرت أمس يا مولانا.

ضحك الشاعر بلو بلو، وكانت ضحكته تشبه ضحكة الضبع، قهقهات خافتة متلاحقة ساخرة، تصطدم القهقهة بأختها مثل التلاميذ عند انتهاء الحصة الدرسية.

وقال: الدرس الأول أيها الفتية، هو سؤال: هل بينكم من يحب؟

كان سؤالاً يشبه المطرقة على الرأس، هذا سؤال خاص، وهم يخجلون من الحب، فقلوبهم خاوية على عروشها، فأطرقوا برؤوسهم ليس من قلة الحب، وإنما من السؤال نفسه.

قال: أجيبوني، هل من مبارز؟

برز الفتى الأول من الكتائب الخلفية وقال: أنا أحبُّ صبية من طرف واحد.

كرّر الفتية جواب الفتى الأول، أربعة منهم يحبّون صبية واحدة، هي أجمل صبية في البلدة، من طرف واحد.

قال الخامس: أنا أتمنى أن أحبَّ من طرف واحد، لم أبلغ بعد تلك المرحلة، يمكن أن تقول إني أحبُّ من أربعة أطراف.

غرق الشاعر في ضحكة الضبع الهايينا، وقال: القصد، إن الشعر مشاعر، كما تلاحظون من اللفظة، يجب أن تعبّر في القصيدة عن أحاسيس مفعمة تدفع الصورة إلى الظهور مثل الرغوة على وعاء الحليب المغلي على النار، الحب هو نار تحرق الصدور.

 ليس من الضروري أن تحب، لكن الحب فطرة أساسية وسهلة، أغراض الشعر القديمة من مديح ورثاء وهجاء مفقودة في الشعر الحديث، الشعر الحديث أغراضه هي الحب والوحدة والحنين والضياع. الشعر الحديث أزمة وجود يا معاشر الفتية.

فهموا أنه حتى يكتبوا الشعر، عليهم أن يضيعوا في سوهو العشق وسنينه.

 هنا حضر والده، زائراً، فأخلى له كرسي البحر الطويل وجلس بأدب على كرسي من بحر المتقارب، لكن والده لم يجلس على كرسي البحر، تلك الجلسة غير المؤدبة، ليس لأن البحر بعيد، والبحرة لا تزال طيناً، من غير ينبوع، بل لأن ذلك الرقاد على الكرسي قلة أدب، انضم إليهم وهو يقلب الجريدة، وسمع المحاضرة، ويبدو أنه لم يفهم شيئاً مذكوراً من القصيدة.

باركوا له موهبة ابنه الشعرية، وكان من تلاميذ الحجرات، مثل كل آباء الشعراء الكرد الأوائل، كانوا فقهاء وعلماء دين.

قال: هذا ليس شعراً، هذه تمائم تشبه أقوال هاروت وماروت.

تركهم والده من غير وداع. وتابع الشاعر الدرس: الشعر الحديث هو الصورة.

فهموا لاحقاً بعد الدراسة والتمحيص أنه يقصد بالصورة الشعرية، البديع، من جناس وطباق وكنايات واستعارات وتشابيه، التعابير سوداء وبيضاء، فإذا دخلت عليها صنعة البديع صارت ملونة. كانت قصيدته تتحدث عن يوم من أيام البلدة الصيفية، كان يقول إن الشمس توقظه بأصابعها الذهبية كل صباح، فيترجل من سرير الكلام، ويقصد السوق، فيرى العربات وهي تقيد الخيول مثل أحزمة العفة، لكن مشاعره كانت غامضة، موحشة، تختفي وسط ضجيج الصور الشعرية ومطارق الحدادين.

أحضر دواوين كثيرة من مكتبته كلها ترجمات لعبد الكريم كاصد، وعدداً من مجلة أقلام العراقية الرائدة، وضرب أمثلة على الصورة الشعرية، من غير لوح أو طباشير، وتناول صفحات ثقافية مقصوصة من الصحف وأمثلة من قصائد منشورة للشاعر إسماعيل عامود، والشاعر سليمان عواد، وزهير غانم، ومحمد الأحمد من البوكمال وجهاد القلق.. كانت قصائدهم متباينة المدارس الشعرية، بعضها سهول، وبعضها حقول، وبعضها غابات شائكة.

 سأل أشجع الفتية: والآن كيف سنعثر على القصيدة المفقودة، ما هي مفاتيح الشعر؟

أي أطلال نقف عليها حتى تتقح قرائحنا فتجود بالشعر؟

قال: قفوا على أطلال أرواحكم أيها الفتية.

قال: لا بد من القراءة، أنا عندما اقرأ، أتعثر بجملة أو كلمة، فأتخذها منبراً أو أداة أحفر بها مشاعري، أرأيتم كيف يعمل الحذّاء، والحدّاد والنساج والحائك، أدوات الشاعر هي الكلمات، وأرضه هي الكتب.

وكانت الصحف الثقافية تنشر قصصاً، كانت القصص كلها تعبيرية مثل الشعر، تكثر فيها الصور، وتقل فيها الأحداث، وتذوب فيها الحكاية، خلا قصصاً قليلة.

كان الدرس الأول سهلاً وصعباً، لكن أقل صعوبة من درس حكيم الزن الياباني، عندما قصده طالب فنون حربية وسأله: "إنني أسعى إلى تعلم نظامك الحربي. كم سيطول الأمر قبل أن أصبح محترفاً؟" فأجاب المعلم: "عشر سنين".

تضرع الطالب بنفاذ صبر: "أريد أن أصبح محترفاً بوقت أقل". سوف أعمل باجتهاد وأتمرّن كل يوم عشر ساعات أو أكثر، فكم سيستغرق المرء عندها؟"

فكر المعلم للحظة وقال: "عشرين سنة."

خرج طلاب القصيدة من بيت الشاعر، وكأنهم خطاب لعروس رفض والدها تزويجها إلا بمهر سحري، وسأل أحد الخمسة: لماذا نكتب الشعر أيها الفتية؟

قال أوسطهم: لا نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا، نحن نحاول إثبات الذات.

قال الخامس وكان حكيماً: بل تريدون أمراً آخر والله المستعان على ما تصفون.

 وتقطعوا أمرهم بينهم، ثم هتفوا بصوت واحد مثل الجوقة الإغريقية في المسرح اليوناني، أو مثل نشيد الصباح البعثي عند تحية العلم الممزق على السارية: النكاح، النكاح، النكاح.

قال الخامس بخبث: لن تروا الفَرَج (بفتح الراء) حتى تروا أقفية آذانكم.

بعد سنة واحدة، استطاع الخامس نشر أول قصة في صفحة أدب الشباب، أثنى عليها محرر الصفحة، وضحك بلو بلو من اسم الصفحة وسخر منها، وأحس بالخطر على موقعه، ثم انضم آخرون ونشروا، مقطوعات شعرية، وتحولت البلدة إلى سوق عكاظ، وتكاثر الشعراء مثل الدبابير في الصيف على قشور البطيخ الحلوة. كان معظمهم قد عرف سرَّ القصيدة الشعرية.

تحولت قصيدة النثر إلى عاهرة، على بيتها بيرق أحمر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها