آخر تحديث:22:11(بيروت)
الجمعة 01/02/2019
share

إلحاد مصري وإلحاد سوري

أحمد عمر | الجمعة 01/02/2019
شارك المقال :
  • 0

إلحاد مصري وإلحاد سوري
يحيل عنوان الوثائقي الذي بثته الجزيرة قبل فترة قصيرة، إلى قصة يوسف عليه السلام، ومكانها ومكانتها من غير عبرتها ودروسها، وإلى القحط الذي ضرب مصر، والثيران التي أكلت بقراتها وهي غير البقرات السمان التي أكلت البقرات العجاف. أهم مقولات الفيلم المصري المفاجئة هي أنّ شعب مصر هو من أكثر شعوب العالم تديّناً، وكنت أحسب الهند أعبد منها وأكثر ديناً، ففي دينها فسحة أكبر من أديان الشعوب العربية، لكن مصر، وإن كانت أكثرها تديّناً، فهي ليست أكثرها تقوى. قرون الثور الجديد غير كل القرون التي مرت مصر بها.

 لعل أتقى شعوب الأرض هو الشعب الأفغاني، صبرت أفغانستان وجاهدت، وأمريكا حائرة في كيفية التقهقر، ولا تريد أكثر من ممر آمن للخروج. تديّن الأفغان تديّن أخروي، فقه الدنيا لديهم قليل.

يتفاءل الناس بالرقم سبعة، وقد مضت سبع عجاف أكلتها سبع بقرات سمان، والرقم سبعة هو سبع الأرقام، وثامنها كلبهم.

كتب الصديق وائل قنديل مقالاً ثائراً على الفيلم، مشفوعاً بغيرة دينية ووطنية، ووجد عيوباً فيه، وبذل جهداً في الدفاع عن مصر وعقيدتها وشعبها وثورتها، واتهم الفيلم بالتواطؤ على تنكير مصر ونكران فضائلها وخيانة ثورتها، والحق إنّ مصر قد نكرت تنكيراً شديداً، لم تره من قبل، وكذلك سوريا، لكن سوريا عاشت منكرة ومنكورة ونكراًء نصف قرن، وقد توّج التنكير مؤخراً بإعلان انتصار الأسد، وهو إعلان سابق لأوانه. النصر إعلامي وغير واقعي. لقد تشابه الواقع والخيال علينا.

الحق إن الملحدين يتكاثرون، ويزدادون في البلاد العربية، وكانت تونس رائدة، لكنها لم تتقدم العرب في شيء سوى في الكفر بالأمل، فأحرق البوعزيزي نفسه ووقع ما وقع. زعم معهد غالوب الدولي أنّ نسبة الملحدين في مهبط الوحي هي الأعلى عربياً. ما يؤخذ على الفيلم أنه مهادن في الأسئلة، لم يسأل سؤالاً واحداً حول العقيدة: الله، الغيب، الجنة، النار، القدرة، الاستواء، الابتلاء...  وهي الأسئلة المعهودة التي يعاني من طنينها الملحدون، كأنه يقرُّ بالهزيمة، وإن لم يعزلها عن سياق السياسة والثورة المنكوبة فقد عزلها عن سياق الإيمان وأسبابه، فأصل الدين هو الابتلاء، وقد امتحنت مصر امتحاناً لم تعهده في تاريخها، يذكّر بالقرون الأولى وأصحاب الأخدود:" هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً".

عاد الفرعون، ونصب نفسه ربّاً أو كاد، من غير أن تكون له مواهب الفراعين الأوائل، سوى القوة العسكرية "الغاشمة"، ومعلوم "أنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالإيمان"، وقد هزم السلطان الإيمان ونصب دينا جديداً، أو هكذا تبدو الأمور. أصل العقائد أنّ الناس يولدون مؤمنين بالفطرة، هذا ما تقوله عقائد الشعوب "البدائية“، وعبادتها، لكن الإنسان الذي يقيس قدرات الله بقدرات البشر يسقط في الامتحان، وهو أصل الإلحاد. الإنسان الملحد إنسان يختصر حياته في حواسه الخمس، وهو جوهر العلمانية الشاملة في الغرب، لقد رأينا مذبحة لم نرها من قبل في رابعة، متظاهرون زعم النظام المصري أنهم مسلحون، فذبحهم بالجرافات أطفالاً ونساء وشيوخاً، وأحرقهم على أعين الناس ضحى، وطوّب بطل مذبحة رابعة منقذاً مع ملاحظات حقوقية دولية عامة غير جادة، عاتبة، لاؤها نعم. وذبحت أجمل ثورة وقتل أكبر أمل رأته مصر. البطل الذي قتل الناس العزل، وهب الغرب المتشفّي هدية التطهير في فرجة مسرح رابعة، في رابعة النهار، بالتنكيل بخصمه الديني، غضب بعض الشباب وألحد، فسأل: أين الله إذاً؟ لم لا ينجي المؤمنين، ألم يقل: "وكذلك ننجي المؤمنين"؟ أين تبخر دعاء الدعاة على منصة رابعة وصلاتهم؟

ارتدّ قسم من الشباب على أدباره، من كان يعبد الله على حرف منهم، وجرف الفرعون الجديد مصر المؤمنة جرفاً، وانقلب الناس، و" إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة". ووحّد الفرعون الجديد أذرعه الإعلامية، وقطع أذرع الشعب المؤمن، وتغيّر لون الأزهر الشريف إلى لون النمر الوردي. حتى تحافظ الناس على إيمانها لابد من أن تكون فوق صفر الظلم، وأنّ يكون العنف في حدود مضبوطة، وقد جاوز الحدّ في مؤشر الرعب الحكومي.

لم ينتبه الزميل وائل قنديل أنّ حوادث الانتحار ارتفعت في مصر، وأقساها الانتحار تحت أقدام المترو، والإلحاد نصف انتحار، هو تضحية بالآخرة والدنيا، الإلحاد انتحار سهل، يتجنب فيه الملحد السجن، وقد يحظى بنجومية، فالدول العربية بعد الثورة المضادة تحضُّ على الإلحاد. أمس، مستوقياً بنجاح الثورة المضادة، فكَّ صاحب "لغز عشتار"، اللغز، ووجده في الحجاب، بعد أن سحب تغريدته وظنَّ البعض أن سحب التغريدة اعتذار أو إنكار لها، برز على قناة إرم (ذات العماد)، وأثنى على التغريدة بالصوت والصورة هذه المرة. الرجل وفيٌ لكتاباته، ولم يخنها. الكفر يسفر عن أنيابه.

الإلحاد السوري أقدم من الإلحاد المصري الذي أثنى عليه الفرعون المصري مرة، فقد انقرض المثقف السوري المؤمن منذ مذبحة حماة، حتى الباحثين المؤمنين في سوريا خواجات، لهم اجتهادات خاصة، لم يظهر اسم الله في شعارات الثورة المصرية: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، الخبز كان يقابل اسم الله في شعار الثورة السورية: الله سورية حرية وبس. ثلاثة أهداف مقابل ثلاثة. سقف الثورة السورية كان أعلى، وإيمان الثورة المصرية بالله كان مضمراً، لا حاجة للشعب المصري أن يعلن إيمانه بالله، بعد إنكار شديد، لكن الفرق بين الثورتين ليس في الإيمان وحده، إنما في أبوة الرئيس، والسورية لا تعترف بأبوة بشار الأسد كلاهما كان متألهاً: السوري بطريقة سافرة، أما المصري، فكان ربا وما زال يقول: أأكلهم منين؟

الملحدون شباب، و"الشباب شعلة من الجنون"، لا يجادلون بالعقل، ولم يجادلهم الفيلم الذي يقرُّ بالظاهرة من غير أن يخاصمها، جمعتها مراكز إحصاء لها ما لها وعليها ما عليها. سببها الأول ظهور إله جديد، مدمّر يشبه اللواياتان في التوراة، والأعور الدجال، ويعاقب المؤمنين بالقتل. انتهى إعلان الرب الجديد في سوريا بدمار سوريا، وفي مصر بالتهريج الشامل، زعماء مصر أكلوا رئيسهم المنتخب طمعاً في الجلوس مكانه، فأُكلوا جميعاً. حمدين صباحي تحوّل إلى تيس مستعار، أبو الفتوح أدرك متأخراً أن خيانته للثورة لا يكفّرها سوى السجن، حمدين صباحي لن يتطهر سوى بالنار مثل البوعزيزي حتى يقنع الناس بنفسه، عمرو موسى يحاول تعديل الدستور بحرفية، الدعاة نكصوا على أعقباهم: عمرو خالد، محمد حسان، شيخ الأزهر. في الأدبيات الإسلامية: إذا هلك العالِم هلك العالَم.

أحد أسباب الكفران، هو سلمية الإخوان، إخوان مصر كانوا دائماً وديعين مثل الخراف، كما يقال عنهم في إعلام النظام، ليس في تاريخهم سوى قتل النقراشي ومحاولة اغتيال عبد الناصر، على عكس إخوان سوريا الذين حملوا السلاح. الشعب السوري أكثر عنفواناً، وكان عدوه أكثر بطشاً، الإلحاد السوري إلحاد نخبة، يتجلى في، جهر المثليين بمثليتهم، ووشوم الشباب السوري في أوروبا، الوشم من الكبائر، إلحاد في الشكل. وسلطان الغرب واضح قاهر. يظنُّ الملحد أو المتغرب أنه شجاع وبطل، وهو في الغالب انتهازي لأنه ينحاز إلى الأقوى. بعد الحرب العالمية ظهرت في أوروبا الحركة الوجودية والثورة الجنسية، وهما تلوحان في الأفق بظاهرة الإلحاد وبرامج الترفيه، أما الإلحاد الكردي فهو بالجملة أو شبه الجملة في المفرد والجمع.

 لن ننسى سخرية الإعلام المصري من دين الدولة الرسمي، وتوقير الدين المسيحي. شيخ الأزهر ورجاله موضوعات دائمة للسخرية، وكبير الكنيسة موقر، يقصده الرئيس ويقف بين يديه مثل تلميذ مذنب، كأن بابا الكنيسة هو الامبراطور بزيه وزينته، أسباب الكفر كثيرة: ألم يقل الفاروق عمر: "أَلا لا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فتكفروهم".

الدعوشة الغاضبة إلحاد أيضاً مع إقرار بوجود الله، والحلول محله بالتشريع، وفي الأثر: هو خروج من الدين كما يخرج السهم من الرّميّة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب