آخر تحديث:07:03(بيروت)
السبت 07/12/2019
share

عنصريةٌ بيضاء

أحمد عمر | السبت 07/12/2019
شارك المقال :
عنصريةٌ بيضاء

 طلبت المعلمة الألمانية الحسناء سابينا، كتابة موضوع عن العنصرية النكراء، بما لا يزيد على صفحة، من غير حضٍّ على الاستشهاد بأبيات الشعر وأقوال الحكمة، كما في مدارسنا الغبراء، وكان ذلك أمراً جديداً، فالمواضيع التي كنا نكتبها ونحن تلاميذ صغار، في حصة الإنشاء والتعبير، كانت مزينةً بالأشعار، ومرصّعة بأقوال الحكماء، وموشّاة بالمحسّنات البديعية والفانيلا وجوز الهند يقطر من دمي، وكانت غالباً عن مواضيع ثابتة، راسخة مثل الجبال الراسيات؛ رحلة في الربيع هي أشهر مواضيعنا في الإنشاء، وكانت الرحلة التي نكتبها صرحاً من خيال فهوى، وعلمنا عندما كبرنا أنَّ الفصول كلها تصلح للرحلات في أوروبا، وكنا ندبّج مواضيع عن المناسبات والأعياد؛ عيد الأم، عيد المعلم، عيد الجلاء..

 كانت نصوص الإنشاء والتعبير احتفالات كاذبة بالأقنعة البيانية في حياة خالية من الأفراح، وفُسحاً في دروس جافة في الحساب والجغرافيا والفيزياء. أصدرت دور نشر كتباً رابحة ورائجة فيها نصوص إنشاء مطرزة بالألفاظ الأنيقة والكلمات البديعة والأشعار الرصينة عن تلك القائمة السوداء، وهذا تعبير وافد من أوروبا عبر الترجمات، قائمة شاندلر المواضيع، كنا ننسخها بخطوطنا، وكان المعلمون العنصريون يتغاضون عن السرقة الموصوفة، أملاً في أن نحفظ بعض الكلمات ونزيد ثروتنا من التعابير البرَّاقة. كانت غرفة الإدارة في ذلك الزمان الجميل البعيد، ثكنة حصينة، محروسة بالهيبة والعصا والعلامات، ودائماً ما كانت تنتهي سنة الاحتلال الدراسي بعيد الجلاء، ثم يعود الاحتلال في السنة القادمة.

كشفت لنا سابينا عن نزعات عنصرية بين الألمان أنفسهم، وألمانيا هي أولى الشموليات الغربية، والرائدة في العنصرية، ولا بد أنَّ بعض آثار العنصرية قد رسب في قعر المجتمع، وهي حالياً رائدة في الإنسانية، ومن أكرم الدول الأوروبية على اللاجئين والنازحين وأبناء السبيل، وقد انهار جدار برلين الثاني أو كاد. ومن تلك النزعات العنصرية، نزعة ثقافية في المدارس عند المعلمين الذين يهملون أبناء غير المتعلمين، فهم يعتبرون أنَّ التلاميذ لآبائهم، ومن شابه أباه ما ظلم، وثمة نزعة عنصرية أخرى في المدارس أيضاً هي العنصرية ضد المعوقين، فلهم مدارس خاصة لا يخالطون فيها الأصحاء والأسوياء، والهيئات التعليمية تفكر في إدماج المعوقين مع الأصحاء في المدارس، والجدل ما زال محتدماً بين التربويين. سألتنا سابينا عن العنصرية في بلادنا، فتحدث الزميل الهندي كومار عن طبقات المجتمع الهندي العنصرية الأربع في عنصرية الهند العتيدة والعريقة، وحال الأرامل اللاتي أعفاهن القانون من الحرق مع جثث أزواجهن منذ سبعين سنة، ولكنهن لا يزلن يحرقن حرقاً بارداً من الوحشة والعزل، وذكر أنَّ العولمة خففت من غلواء الطبقية في الهند، وتحدثت زميلة نيجيرية عن عنصرية الألوان والأعراق وهي أكثر العنصريات شيوعاً في كوكب الأرض، وتحدث زميل تونسي عن العنصرية، ووصفها بأنها أول أدواء البشرية، وكانت العنصرية ثقافيةً بين قابيل وهابيل، وهما من أب واحد، وأم واحدة، ليس بينهما سوى ساعة واحدة، فالزمن يصنع الجدران العنصرية، وعندما جاء دوري تحدثت عن العنصرية البيضاء الحميدة.

 فتعجبت سابينا وسألت مندهشة: عنصرية بيضاء وحميدة؟!

 قلت: عنصرية الفضائل، مثل الكرم والمروءة والنجدة، وعنصرية الكرم هي أن يصير الضيف سيداً والمضيف خادماً، وعنصرية الإيثار، وعنصرية الحب، ونجدها في الأشعار العربية وفي الأفلام الهندية كثيراً، حيث يتحول الحبيب إلى وثن، وأسبابها في الهند كثيرة، أولها قلّة عدد الإناث، فالهند هي بلاد المولود الوحيد، والناس تفضل الذكور وتئد الإناث، وعدد الذكور يزيد على عدد الإناث، وهي من أعلى بلاد العالم في نسب الاغتصاب، وقلت إنَّ الحواجز تكبر بين الإناث والذكور في البلاد العربية والإسلامية بسبب الطغيان والدكتاتورية والصعوبات الاقتصادية، فلا سبيل للقاء بين الشعب المستعبَد والرئيس العنصري إلا بالصندوق الذي يزوّر، وإن الوأد محرم ونادر، لكن حصيلة حرب البسوس الطويلة بين الدولة  العربية وبين شعبها هي العنصرية والطائفية وارتفاع منسوب الفقر، وتقهقر سن الزواج إلى الأربعين، والزواج هو السبيل الوحيد لاجتماع الذكر بالأنثى، وقلت: نحن نتهنّد، فهتف زميل حلبي وقال: أنا أعزب وفي الخمسين، وكاد يصيح: لله يا محسنات.

وقلت: لهذا يكثر التحرش بالنساء، ويخفف المصريون جنحة التحرش إلى معاكسة، والمعاكسات اللفظية سادية أو مازوشية، وتعبيراتها عنصرية مكتومة ومكظومة، مثال ذلك قول الذكر للأنثى: ليتك تدبّكين على قبري.

 فتعجبت سابينا، وسألت عن معنى العبارة، فعاكستها، وقلت: لو كنتِ في بلادي لصرت راقصة على قبور الأحياء.

 وتابعت فقلت: إنَّ الدولة كيان عنصري بنت بينها وبين الشعب حاجزا وسورا عازل، وهي سبب البلاء، هي قابيل والشعب هابيل. وإن ثورات الربيع العربي ثورات ضد العنصرية السياسية، وأن عنصرية الدولة العربية أنواع، منها طبقية عسكرية كما في مصر والجزائر، ومنها طبقية طائفية كما في سوريا، أو قبلية كما في معظم دول الخليج.

 سألتني ما إذا كنت اقترفت إثم العنصرية مرة.

فاعترفت أني امرؤ فيّ جاهلية، وأني أقترف ذنب العنصرية راجلاً، وعلى الدراجة، وفي السيارة، فأنا أُخلي الطريق للألماني وأرحّب به وأقدّمه، أمّا إذا كان شريكي في الدخول أو الخروج من البوابة باكستانياً أو تركياً أو عربياً فإني أقتحم عليه الطريق وأسلبه حقه.  

 سألت: أمجاملة للألماني لأنّه صاحب الأرض؟

 قلت: لأنَّ الوافد، باكستانياً أو تركياً أو عربياً، معتاد على الزحام وأكثر تسامحاً وصبراً وحلماً، وغالباً ما أعتذر له بابتسامة. سألت المعلمة الشابة عن معنى عنصرية الكرم والإيثار، فنهض زميلنا مصطفى الحلبي وأنجدني وترجم المثل القائل: من علّمني حرفاً كنت له عبداً. وكان يمزح، لكني فطنت برأيه إلى أمرين أولهما أنَّ العبودية في الإسلام هي لله الذي خلق الناس أحرارا، وليست للبشر، لأن الله هو الذي علَّم آدم الأسماء كلها فنحن عبيده، وأنَ الطبقة البيضاء في البلاد العربية تريد الشعب جاهلاً، مقيداً، لا يكرُّ ولا يُحسن سوى الحلب والصرُّ. وأنَّ الرئيس عندما يطالب بإعادة النازحين إنما يطالب بعودة عبيده الهاربين من مزرعته الكبيرة.












شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب