آخر تحديث:00:33(بيروت)
الأحد 08/12/2019
share

إيران:نهاية الجمهورية

حسن فحص | الأحد 08/12/2019
شارك المقال :
إيران:نهاية الجمهورية

انتهت بالامس السبت المهلة القانونية لتسجيل اسماء المرشحين للانتخابات البرلمانية التي من المفترض ان تجري خلال شهر شباط/ فبراير المقبل، ومن المفترض ان تذهب اسماء المرشحين من دائرة الانتخابات في وزارة الداخلية الى لجنة دراسة الاهلية في مجلس صيانة الدستور لاختيار المسجلين الذين تنطبق عليهم الشروط والمواصفات التي يحددها المجلس الذي يعتبر المصفاة الاساسية لمنع المعادين والمعارضين للنظام من المشاركة في العمليات الانتخابية رئاسية وبرلمانية وخبراء قيادة، وفي كل مرة ترتكب هذه اللجنة في هذا المجلس مجزرة بحق مرشحين لا يؤمنون بمبدأ ولاية الفقيه المطلقة او في ملفاتهم مواقف تتعارض مع مواقف النظام وقيادته. واذا ما قررت هذه اللجنة التخفيف من شروطها او تمرير بعض الاسماء ممن لا يحظون بكامل ثقة النظام او انهم يعتبرون من الشخصيات المؤسسة في الثورة، فمن باب ادخال بعض التنوع على المشهد السياسي والحفاظ على الشكل الديمقراطي بعيدا عن المضمون، وحتى يقال بوجود معارضة.

وقد لجأت هذه اللجنة لاتباع اعلى درجات التشدد في اختيار المرشحين من بين المسجلين، لقطع الطريق على امكانية تكرار تجربة البرلمان الاصلاحي في دورته السادسة عام 2001 في عهد الرئيس الاسبق محمد خاتمي وما سببه من اشكاليات وأثار من سجالات في وقت لم تكن اجهزة النظام قادرة على توجيه تهمة العداء للعديد من النواب المشاغبين والذين رفعوا الصوت بوجه رغبات القيادة نظرا لتاريخهم الثوري والنضالي الذي يفوق تاريخ ونضالات الكثيرين ممن يحملون لواء التشدد والتعصب للنظام واسلاميته وثوريته. 

وفي مراجعة سريعة لمواقف مؤسس الثورة الايرانية الامام الخميني خلال وجوده في ضاحية نوفل لوشاتو الباريسية وقبل اشهر على اعلان الانتصار وعودته، يمكن القول انه رسم المسار الذي ستكون عليه طبيعة النظام المقبل لايران بالتأكيد على المزج بين الجمهورية والاسلامية، اي انه في الشكل والظاهر لم يذهب لاعتماد مبدأ العمل على تأسيس "حكومة اسلامية" التعبير الاخر لمفهوم "الخلافة" التي نظّر لها مبكرا في كتابه "الحكومة الاسلامية" في ستينيات القرن الماضي، وفي المضمون ترك الامور والموقف النهائي رهنا بالتطورات التي ستفرزها الوقائع السياسية بعد السيطرة على السلطة والنظام. الا انه أسس لمبدأ الجمهورية من خلال وضع البرلمان (مجلس الشورى) على رأس السلطات باعتباره ممثلا للارادة الشعبية وضامنا للجمهورية. فكان ان جاءت الدورات الاولى للبرلمان متنوعة وممثلة لجميع مكونات المجتمع الايراني الثقافية والسياسية بالتزامن مع حضور بارز للقوى العلمانية والليبرالية في مجلس قيادة الثورة والحكومة المؤقتة. 

منذ انتخابات عام 2005، والاحداث التي شهدتها الاشهر السابقة لها من اعتصامات ومواقف برلمانية حملت الكثير من التحدي لارادة قيادة النظام وانتقادها، يبدو ان مراكز القرار في النظام حسمت امرها بتحجيم دور هذه المؤسسة الدستورية التي وضعها المؤسس "على رأس الامور"، وتحويلها الى مؤسسة غير قادرة على فرض موقف او رأي في آلية اتخاذ القرار التي يعتبر جزءًا اساسيا فيها، وقد جرى تنفيذ هذا التوجيه عبر مقصلة مجلس صيانة الدستور ولجنة دراسة اهلية المرشحين التي اطاحت بالكثير من صقور التيار الاصلاحي وحجم تمثيلهم ساعدها على ذلك حملة تشويه اجتماعية ومجتمعية مارستها اجهزة النظام ضدهم، وبلغت ذروتها في ايصال محمود احمدي نجاد الى الرئاسة على حساب الشيخ هاشمي رفسنجاني ولاحقا حرمانه من الترشح. 

وعلى الرغم من التحشيد الذي مارسه التيار الاصلاحي والمؤيد لرفسنجاني والتيار المعتدل المحسوب على الرئيس حسن روحاني، فانهم لم يستطيعوا تحقيق تغيير حقيقي في طبيعة البرلمان السياسية والحزبية، فتحولوا الى اقلية غير قادرة على تغيير المسار الذي ترسمه قوى النظام لعمل البرلمان، وقد بلغت الذروة في هذا المسار في خريف عام 2015 عندما قرر النظام وقيادته ابعاد البرلمان عن آليات النقاش الدائرة حول الاتفاق النووي الذي توصلت له ادارة روحاني مع مجموعة دول 5+1 (امريكا وفرنسا والمانيا وروسيا والصين وبريطانيا)، وحدد دوره في التصديق على الخلاصة التي قدمها المجلس الاعلى للامن القومي الذي تولى مسؤولية الموافقة على الاتفاق امام المجتمع الدولي. 

عاد مسار تهميش البرلمان الى الواجهة من جديد في سياق القرار الذي اعلن ان السلطات الثلاث في النظام ( التشريعية والتنفيذية والقضائية) اتخذته في ما يتعلق برفع اسعار الوقود (البنزين)، وما تكشف بعد تنفيذ هذا القرار ان السلطتين التنفيذية والتشريعية لم تكن في اجواء التوقيت لهذا التنفيذ والتداعيات التي يمكن ان تنتج عنه، الامر الذي اثار اعتراض العديد من النواب، اذ ذهب بعضهم لاعلان استقالته، فيما اعتبر البعض الاخر ان المجلس والنواب باتوا عبئا لا لزوم له في الحياة السياسية وصولا للدعوة الى الغائه في اطار تطبيق سياسة التقشف وتخفيف النفقات غير الضرورية في ظل الازمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، ما استدعى تدخلا مباشرا من رأس النظام المرشد الاعلى الذي أكد انه الجهة التي اتخذت قرار رفع الاسعار بناء على اتفاق السلطات الثلاثة، وأرسل ممثله في المجلس الاعلى للامن القومي وامين هذا المجلس الادميرال علي شمخاني للحد من تصاعد الاعتراضات البرلمانية واسكات هذه الاصوات بعد ابلاغها بان القرار صدر عن المرشد الاعلى بناء على تشخيصه للمصلحة الاستراتيجية للنظام. 

الاحداث الاخيرة والاحتجاجات واعمال الشغب التي شهدتها المدن والمحافظات الايرانية بعد قرار رفع اسعار الوقود، الموقف الحازم الذي اعتمده النظام واجهزته الامنية ومازال، في التصدي لهذه الاحتجاجات وما تخللها من سقوط اعداد غير معروفة من القتلى تحت غطاء التصدي لمؤامرة وخطط امريكية – اسرائيلية ودعم خليجي للاطاحة بالنظام من الداخل، ستدفع النظام الى مزيد من التشدد في المجال السياسي وفرض حالة طوارئ سياسية على مجريات العملية الانتخابية من خلال استبعاد كل الشخصيات التي قد تشكل مصدر قلق له او يشك في ولائها المطلق له او تلك التي تعتبر محل تشكيك من الاجهزة الامنية والاستخباراتية، وبالتالي فان المتوقع ان يأتي البرلمان الجديد منسجما مع هذه القراءة الامنية للتطورات الايرانية والتحديات التي يواجهها النظام، وبالتالي فان الهامش المعارض (الاصلاحي والمعتدل) سيكون في الحد الادنى له بحيث قد يصعب تسميته بالاقلية البرلمانية، وبالتالي قد تكون هذه الانتخابات بمثابة "لزوم ما لا يلزم" فقط لمجرد الحفاظ على الاليات التي قام عليها النظام في توزيع السلطات تحت قيادة ووصاية المرشد. 






شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها