آخر تحديث:13:46(بيروت)
الجمعة 06/12/2019
share

أوروبا: مساعدات غذائية للبنان؟

مهند الحاج علي | الجمعة 06/12/2019
شارك المقال :
أوروبا: مساعدات غذائية للبنان؟
إنه حادث قطار بالحركة البطيئة (Slow Motion). صحيح أن الحادث بدأ، والرحلة انتهت، لكننا لم نصل الى نهاية فصوله بعد. هكذا يصف مسؤول غربي الإنهيار الاقتصادي الحاصل في لبنان. هناك قناعة دولية تتشكل بأننا اليوم أمام مؤشرات أزمة إنسانية تستوجب مساعدات غذائية دولية.

وهنا معطيات حقيقية، وليس مجرد أقاويل أو إشاعات "واتساب". ذاك أن الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال لا الحصر، تلقى خلال الأسابيع القليلة الماضية آلاف الرسائل من اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، طلباً للمساعدة العاجلة. كانت هذه "الموجة" من الرسائل صادمة وغير مسبوقة في حجمها، لدرجة أن هناك من اعتقد لوهلة بوجود مُوجّه لها. لكنها رسائل حقيقية. ذاك أن مثل هذه الأزمة تُصيب أولاً الأكثر فقراً وعرضة للاستغلال، ومنهم اللاجئون ممن يلملمون قوتهم من معونات وعمل بالمياومة. ومنهم أيضاً العاملات المنزليات. هؤلاء في قعر هذا النظام الاقتصادي-الاجتماعي المتداعي، وهم أول ضحاياه. 

لم يعد هذا التشاؤم في قراءة الأزمة اللبنانية حكراً على طرف واحد في المجتمع الدولي، بل بات سمة في الأوساط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية الدولية. ليس السبب اقتصادياً فحسب، أو نتيجة احتساب الأرقام الهائلة، ذاك أننا نعي بأن لبنان كان بإمكانه تجاوز الأزمة مبكراً لو اتخذت الطبقة السياسية الاجراءات الاصلاحية الضرورية، وأولها وقف الفساد والهدر والمحاصصة في نهب المال العام. السبب هو فقدان الثقة بقدرة الطبقة السياسية على معالجة الأزمة.

ذاك أن أي مسؤول معني بالملف يزور لبنان يُصاب باليأس والقنوط سريعاً نتيجة مزيج مُدمّر يجمع بين أمرين: فهم ودراسة للأزمة المالية، بأرقامها وأبعادها واحتمالات تأثيرها في الناس من بطالة وجوع وفقر وتشريد، من جهة وبين لقاء المسؤولين اللبنانيين القيمين على هذا الواقع، من جهة ثانية. هنا تحصل الصدمة. أن تغرق بأرقام الدين والعجز المالي وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي والحجز على أموال الناس، وأزمة الوقود وارتفاع الأسعار، ثم تلتقي مسؤولاً لبنانياً، فإنك كمن يخرج من حمام ساخن إلى صقيع القطب الشمالي مباشرة ودون أي مقدمات. يبدو أي مسؤول في ختام الجولة كمن خرج للتو من العالم السفلي ورأى فيه الفظائع، إذ أن حجم اللامبالاة والانفصال عن الواقع والمعاناة، صادم جداً. ليس لأن الزائر انساني - وهو حقيقة مدفوع بالمصالح والخشية من تأثيرات الانهيار اللبناني - بل لأنه مسؤول أولاً، والمسؤولية تقتضي بعض الوعي حيال المصلحة العامة. لكن عند المسؤول اللبناني، يغلب عادة حديث الحصص والتوازنات الانتخابية والصراعات الاقليمية، على حجم المعاناة وخطورة الانتظار.
 

هذا مصدر التصلب الأوروبي حيال لبنان. لذا بات المدخل الإلزامي لأي مساعدة مالية أوروبية للنظام اللبناني للخروج من الأزمة الحالية، هو الدخول في برنامج لصندوق النقد الدولي. ورغم أن للأخير شروطه القاسية مالياً والمثيرة للجدل، لكن الطبقة السياسية ربما تخشى التدقيق في حسابات المصرف المركزي، وهو الزامي في البرنامج. هناك أكثر من تقرير عن تهريب مسؤولين كبار لأموالهم، فيما ينتظر بقية المودعين ساعات للحصول على بضع مئات من الدولارات كل أسبوع. هل ينتظر الساسة إتمام عمليات التهريب قبل طلب الإنقاذ المالي؟

عامل الوقت أساسي هنا، في ظل غياب الثقة والتسرب المالي من القطاع المصرفي. لذا فإن التحرك الأوروبي أخذ منحى مختلفاً في التعاطي مع الملف اللبناني، باتجاه الإغاثة، لا المساعدة المالية. والنقاش الأوروبي الذي لم يتحول الى قرار بعد، يشمل النقاط التالية:

أولاً، يدرس المسؤولون نقل الموارد المالية من التنمية إلى الاغاثة في برامج الاتحاد الأوروبي في لبنان، وهذا يعني عملياً فقدان الحكومة بعضاً من مصادر التمويل بالعملات الصعبة. وهذا مؤشر أيضاً الى الابتعاد عن الحكومة والسلطة بصفتها حالة مرضية، وليس كجزء من آليات الحل.

ثانياً، يملك الاتحاد الأوروبي آلياته القائمة من أجل توفير المساعدات في لبنان، وعلى رأسها المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إكو). هذه شبكة فاعلة وتمر عبرها المساعدات الى اللاجئين السوريين في لبنان، وبالإمكان استخدامها، علاوة على برنامج الأغذية العالمي الموجود في لبنان.

ثالثاً، على أي آلية للإغاثة تجاوز قيود القطاع المصرفي، وبالتالي فإن من بين الأفكار المطروحة توزيع مواد غذائية مباشرة والتعاون مع القطاع الخاص عبر آليات الكترونية-مالية (تعويض التجار في الخارج).

والحقيقة أن هذه النقاشات ليست بعيدة عن الواقع، سيما أن حساسية الملف اللبناني باتت تُرجح إدخاله ضمن أجندة اجتماع قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في 12-13 الشهر الجاري، ليصدر موقف عام بشأنه، بدلاً من الانتظار للقمة التالية في 26-27 آذار (مارس) المقبل.

في خلاصة الأمر أن المجتمع الدولي وصل في تقويمه للطبقة السياسية، إلى مرحلة يرى فيها أن توقع الأسوأ من هؤلاء السياسيين يُمثل الآلية الأكثر صوابية في صوغ استراتيجية للتعامل مع الأزمة. هذه طبقة سياسية لم تكتف بإيصال السكان الى الانهيار نتيجة ممارساتها، بل الأرجح أن تُمثل عقبة في إغاثة ضحاياها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب