آخر تحديث:07:27(بيروت)
الأحد 29/12/2019
share

سحر العراق والساحر الايراني

حسن فحص | الأحد 29/12/2019
شارك المقال :
سحر العراق والساحر الايراني
لم تتردد القيادات الايرانية في استعراض نجاحها على الساحة العراقية اواسط العام الماضي 2018، خصوصا بعد نجاح ممثلها ومندوبها على الساحة العراقية الجنرال قاسم سليماني قائد قوة القدس في حرس الثورة في ايصال وفرض مرشحه لرئاسة الوزراء عادل عبدالمهدي على القوى السياسية والاحزاب كخيار أراده محايداً لاخراج العراق من ازمة التشكيل حينها، وكمدخل لاستكمال عقد الرئاسات الثلاث واطلاق العملية السياسية في المواقع القيادية بما يضمن مصالح الجار الشرقي وصاحب الكلمة الاخيرة. 

ولم يتردد سليماني في استعراض قدراته "فوق الشعبية والدستورية" عندما اعتبر الانجاز الذي حققه في تحديد معالم الرئاسات العراقية الثلاث بمثابة انتصار على المنافس والغريم الامريكي على ارض الملعب العراقي والقول ان المباراة انتهت لصالح ايران ومحور المقاومة والممانعة بنتيجة لا تقبل الشك بواقع ثلاثة لصفر (3- صفر)، ولم تستطع واشنطن ايصال اي من الشخصيات المدعومة من قبلها الى اي من مراكز القرار وارتضت بان تكون شريكة مع اللاعب الايراني في الميدان العراقي من دون ان يكون لها القرار النهائي، وان التسوية التي تم الحديث عنها بتولي شخصيات تشكل نقطة توافق بين الطرفين مع رجحان كفة الشريك الايراني لم يعد لها اي مسوغ للاستمرار، خصوصا وان طهران قد تقدمت على كل الاطراف بعد الزيارتين التاريخيتين اللتين قام بهما رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء عبدالمهدي الى طهران والاتفاقيات الاقتصادية والسياسية التي وافق صالح عليها بالأحرف الاولى ثم حولها عبدالمهدي الى اتفاقيات عملية، والتي وان كانت تصب في اطار تعزيز العلاقات الثنائية بين حكومتين ومؤسساتهما الرسمية، الا انها شكلت استكمالا واضحا لجهود طهران في الاستحواذ على كل مستويات القرار العراقي السياسية والاقتصادية بعد ان احكمت قبضتها على البعدين الامني والعسكري، وكلها في خدمة الهدف الاستراتيجي للنظام الايراني في الاقليم.
 

لم يكن للقيادة الايرانية ان تستكين لوصول صالح وعبد المهدي الا بعد ان استطاعت "هندسة" وصول محمد الحلبوسي الى رئاسة البرلمان، وقد كشفت حينها عن مستوى رفيع من البرغماتية في مواقفها من اجل تحقيق مصالحها واهدافها عندما لجأت الى تسوية مع القوى السنية الاكثر تشددا وحتى تلك التي رفعت شعارات واضحة ومعادية للنفوذ الايراني في العراق، وقد وظفت من اجل ذلك قيادات عراقية موالية لها لعقد صفقة مع هذه القوى تقوم على تقاسم السلطة والمصالح والمنافع والمحاصصة مقابل تمرير وتحقيق هدفها في القبض على آليات العمل البرلماني الذي يشكل محطة اساسية وضرورية لاستكمال تحكمها بالرئاسات الاخرى (الجمهورية والوزراء). 

استطاع المفوض الايراني في الملف العراقي خاصة والاقليمي عامة، اي الجنرال سليماني، بعد استتباب الامر والقبض على جمرة مراكز القرار في هرمية السلطة العراقية، ان يقف ويقول بكثير من عدم التواضع انه استطاع الفوز على الخصم الامريكي في مباراة السيطرة على العراق بثلاثية نظيفة من دون مقابل، الا انه اسقط من اعتباره عامل  الجمهور الذي لم يغادر مقاعد المشاهدين، مذهولا مما يجري امامه والتلاعب السافر بمصيره ويرى كيف سلم الفريق الذي يمثله الساحة للفريق الايراني ومدربه من دون ان يرف له جفن او يندى له جبين، في حين ان الفريق الامريكي بعد النتائج التي حققها خصمه الايراني بدأ يفتش عن نقاط تعويضية تخفف عبء الخيبة عن مدربه، مشاركا خصمه في الاستهزاء بمشاعر الجمهور والاحباط الذي أصابه جراء ما يشاهده من استسلام فريقه "الوطني" الذي رضي بالخسارة مقابل الحصول على رشاوى وفتات مصالح ومحاصصات وتقاسم مغانم تركها له صاحب الانتصار. 

لم يكن اللاعب الايراني بكل قوته وتشكيلاته وما يملكه من نفوذ، يتوقع أن يواجه اعتراضا على النتيجة التي راح يتباهى بتحقيقها، ولم يخطر في حساباته ان تأتي "البطاقة الصفراء" في المرحلة الاولى من الجمهور الذي انتفض رافضا لهذه النتيجة التي قدمها له فريقه "الوطني"، فخرج الى الشوارع والساحات موجها انذاره الأول مطالبا بالإصلاح والتغيير ووقف السرقات والنهب والمحاصصة وبناء وطن لابنائه يراعي مصالحهم اولا بعيدا عن مصالح وحسابات الاخرين. وما كان منه الا ان نزل الى "الملعب" مطالبا الفريق الايراني وكل من يريد ان يلعب على الساحة العراقية باللعب معه في مباراة "رد" ، ساحبا الوكالة التي سبق ان منحها للفريق الذي كان يعتقد أنه يمثله على الساحة الوطنية. 

لا شك ان الجمهور العراقي – الشعب – استطاع وخلال نحو 70 يوما تحقيق نتائج شكلت صدمة ومفاجأة للفريق الخصم وكل الفرق التي تطمح للامساك بالساحة العراقية، وعلى الرغم من الاصابات التي تكبدها في هذه المنافسة والتي بلغت نحو 520 قتيلا ونحو 20 الف جريح ومعوق، الا انه لم يستسلم امام استشراس الفريق الخصم بالدفاع عن الانتصار الذي سبق ان حققه قبل نحو عام، واستطاع ان يفرض عليه التخلي عن لاعبيه الاساسيين والسعي الى التعويض عنهم ببدلاء اقل خبرة لكن اكثر ولاء، وذلك للحد من مسلسل الاهداف التي بدأ الجمهور العراقي تسجيلها في مرماه، الا ان الاصرار العراقي وضعف البدلاء قلب المعادلة التي بدأت تميل لغير صالحه، ما يعني ان الامور وصلت الى مرحلة لم يعد امامه سوى الاعتراف بالهزائم التي تلحقه، والتخلي عن طموح الاحتفاظ بالنصر والسعي لتحقيق التعادل. 

الهدف الاول الذي حققه الجمهور العراقي جاء باخراج رأس الحربة في التركيبة السلطوية في رئاسة الوزراء بفرض الاستقالة على عادل عبدالمهدي، واستكمل بحرمان مدرب الفريق الخصم من القدرة على استبداله بالسرعة المطلوبة لتجاوز نتائج وتداعيات الهدف الاول، فخرج محمد شياع السوداني وقصي سهيل واحمد العيداني عن مقاعد الاحتياط  "ببطاقة حمراء" رفعتها "ساحة التحرير". وجاءت الضربة الاكثر ايلاما مع الهدف الثاني الذي اجبر البرلمان على اختيار مفوضية انتخابات من الجسم القضائي بعيدا عن المحاصصة السياسية والحزبية التي سيطرت عليها القوى السياسية على مدى السنوات الماضية، ثم باقرار قانون للانتخابات يحرم هذه القوى والاحزاب القدرة على التحكم الكامل بالنتائج والمقاعد. وفي وقت حاول هذا الفريق استجماع ما تبقى له من اوراق ولاعبين جاء قرار رئيس الجمهورية بالخروج من المعسكر المحسوب على هذا الفريق الذي جاء به الى نقطة الحياد والاقتراب من خيارات الجمهور. 

امام هذا الواقع لم يجد المدرب - الجنرال سوى البحث عن مخارج للتسوية لوقف مسار الاهداف التي يتلقاها تباعا، خصوصا وانها ترافقت مع تهشيم للصورة الاجتماعية والدينية والثقافية، والتي تعتبر الخسارة الاكبر للعنصر الذي اعتقد انه يشكل حجر الزاوية في بسط نفوذه على الساحة العراقية، وبدأ سلسلة من البحث عن بدائل قادرة على ارضاء الجمهور العراقي، خصوصا وان اللاعب الامريكي المنافس والخصم الشديد لم ولن يسمح للاعب الايراني بتسجيل انتصار دائم وكامل عليه، وان الفرصة باتت سانحة امامه ليحاول توظيف نتائج المنافسة بين خصمه الايراني والجمهور العراقي لتغيير المعادلة والسعي لسرقة الانجازات العراقية في سياق معركته مع طهران. الا ان الصورة التي بدأت تتوضح في الساحات العراقية المنتفضة تكشف عن مسار يلبي مطالب الجمهور بتشكيل حكومة انقاذ وطني تقوم على فرض مرشح الساحات لرئاسة الوزراء، وليس مستبعدا ان ترسو الخيارات على رئيس جهاز الاستخبارات مصطفى الكاظمي الذي يسود انسجام كبير بينه وبين رئيس الجمهورية برهم صالح وتقارب تاريخي وعميق بينهما، قد تساهم في التأسيس لمرحلة انتقالية وجديدة تضع العراق في منطقة الحياد بين الهيمنة الايرانية والسيطرة الامريكية. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها