آخر تحديث:08:26(بيروت)
الثلاثاء 03/12/2019
share

لبنان والعراق: الجماعات المتخيلة

شادي لويس | الثلاثاء 03/12/2019
شارك المقال :
لبنان والعراق: الجماعات المتخيلة (تصوير: علي علوش)
لم يكن كتاب بنديكت أندرسون، "الجماعات المتخيلة"، الأول من نوعه الذي ينظر في أصل فكرة القومية، ويراها كجماعة يتم اختلاقها اجتماعياً. فقبله، وقبل "الجغرافيات المتخيلة" لإدوارد سعيد، كانت فكرة القومية وأساساتها قد تم تفكيكها بالكامل، من قِبل الماركسيين ومعهم البنيويون وما بعد الحداثيين، ليتكشف العنف المختبئ وراءها والمستخدم في تحقيقها، وفي توظيفها من قبل الطبقات الحاكمة لفرض التجانس القسري على المحكومين، وكأداة للهيمنة عليهم. لكن أندرسون، على خلاف الآخرين من ناقدي القومية ممن سبقوه، لم يرفضها، ولم يرَ فيها شراً خالصاً. كانت تلك فرادة نظريته. فالخيال الأقرب إلى الوهم، والجوانب القسرية في فكرة القومية، لا يجب أن تقف في وجه قبولنا بها كأمر واقع. فالمتخيل تشييء بالفعل، رقعة من الأرض بحدود وشعب وعلَم ومتحف وخريطة وكذا ممارسات يومية وتاريخ يبنى بأثر عكسي. يذهب أندرسون أبعد من هذا، ليؤكد مراراً أن تلك الفكرة المتخيلة لطالما ألهمت صنوفاً من أعمال الشجاعة والجمال والإيثار والبطولة. هكذا، المتخيل ليس "وعياً زائفاً" بالضرورة، بل لعله ركن من أركان الواقع الاجتماعي، وضرورة لا غنى عنها للسياسي والعام، بنية محايدة متخمة بإمكاناتها.

ربما كانت الدولة العربية الحديثة من بين أكثر النماذج وضوحاً لبنية الدولة الأمة المتوهَّمة، لا المتخيلة، تلك التي فُرضت من فوق، برُعونة وعلى عجل، وبقليل من المنطق وكثير من الأساطير المقترنة بتشوهات الميلاد العميقة. ظلت الدولة الأمة في المشرق العربي على تلك الشاكلة، هدفاً للنقد والتفكيك والنبذ، من ما بعد الاستعماريين، ومن أصحاب الهويات التحت وطنية الأضيق، وكذا من بين دعاة الأصوليات العابرة للحدود. وبين قطبي التفتيت إلى جماعات أصغر، من طوائف وأعراق أو دمج في هوية جامعة، إسلامية أو عروبية، تآكل مشروع الدولة الأمة، ببطء تخللته ضربات قاصمة. فممارسات الأنظمة التي فرّغت دعاياتها فكرة الوطنية من ألق خيالها، حولتها إلى مرادف للرياء أو القمع باسمها، فيما تم تطييف المجتمع لصالح اختزال الوطن في فرد أو مصلحة جماعة ضيقة.

المدهش أن تلتئم اليوم تلك الخيالات مرة أخرى، وتُبعث في الحراك الثوري في لبنان والعراق، تحديداً. تاريخ طويل من التطييف والحرب الأهلية والاحتلال المباشر والقمع والارتهان للخارج والمظلوميات والعدوات الموروثة، تقاطعه عودة مفاجئة للقيم المنسية، تلك التي ترسبت في مستوى يشبه الوعي الباطن، الوطن الأمة كحلم مجهض وفرصة وحيدة للنجاة كجماعة. يرفع المتظاهرون العلم ببساطة، العلم نفسه الذي يضعه كتاب أندرسون كتشييء لوحدة الجماعة، وتكثيف رمزي لمخيالها. ويهتف المحتجون باسم "لبنان" و"العراق"، تلك الكيانات الغامضة والهشة على المستوى النظري، كما على مستوى الممارسة السياسية اليومية.

تبدو في ذلك بذرة رجعية، إمكانية لسياسة قشرية وفارغة، تصالح مع القديم بدلاً من هدمه وتجاوزه، أو بدلاً من إعادة البناء على أسس جديدة. فأي عراق يهتف باسمه المتظاهرون؟ عراق صدّام؟ أم عراق الاحتلال الأميركي؟ أم عراق الميلشيات الطائفية؟ والأسئلة نفسها تطرح بشأن لبنان، أي لبنان هذا الذي تجتمع على اسمه الحشود الغاضبة والحالمة؟ لبنان حقيقي كان في يوم الأيام؟ أم شبح غير متحقق لخيالات وردية عنه؟

لا تبدو الإجابة حاضرة في الماضي، بل في اللحظة الثورية نفسها، تلك التي تعيد اكتشاف الرصيد التاريخي للخيال، وإمكانات التضامن والبطولة الكامنة فيه، وانتزاعه بغرض إعادة امتلاكه. تؤكد لنا احتجاجات البلدين، قناعات أندرسون، بأن فكرة الجماعة الوطنية تحمل في طياتها إمكانات راديكالية وثرية للبناء عليها، لكنها تتركنا بتساؤلات مقلقة أيضاً عن مدى قدرة الخيال المسترجع والإيمان به على الصمود في وجه  العنف والسلاح و ميليشيات السلطة الطائفية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب