آخر تحديث:13:41(بيروت)
الأربعاء 18/12/2019
share

سوريا أفغانستان الثانية لروسيا

بسام مقداد | الأربعاء 18/12/2019
شارك المقال :
سوريا أفغانستان الثانية لروسيا
توقفت روسيا عند ذكرى حربها في أفغانستان مرتين خلال العام الجاري : 40 سنة على بدء غزوها في 15 شباط/فبراير من العام 1979 ، و30 سنة على هزيمتها وخروجها منها في 12 من مثل هذا الشهر في العام 1989 . وما بين هذين التاريخين مرت حوالي عشر سنوات على روسيا، وهي تجهد عبثاَ لتحقيق ما يحفظ ماء الوجه في شعاب أفغانستان ، ولم تكن تفعل خلالها سوى إرسال المزيد من جثث عسكرييها في صناديق الزنك ، التي بلغ عددها حوالي 15000 تابوت. 

لم تفارق أفغانستان الذاكرة الروسية مطلقاً ، بل اشتد وقعها على هذه الذاكرة أكثر ، مع انخراط روسيا في المقتلة السورية منذ خريف العام 2015 . فمنذ بداية العملية الروسية في سوريا ، برزت مخاوف كثيرة من أن تصبح سوريا أفغانستان ثانية لروسيا ، ومن أن تضطر موسكو إلى التصعيد في عمليتها ، وتوسيع تواجدها على الأرض ، على قول المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الخارجية أندريه كارتونوف في اتصال مع "المدن" من موسكو . ويرى كارتونوف أن هذا التصعيد والتوسع في التواجد على الأرض "لم يحصل حتى الآن" ، وتبقى المشاركة الروسية محدودة جداً ، وكذلك الخسائر الروسية في سوريا. وتبقى العملية العسكرية منخفضة الكلفة نسبياً ، إذ أن المناورات المتعددة داخل البلاد تكلف الخزينة الروسية أكثر بكثير مما تكلفه عمليات الطيران في سماء سوريا ، برأيه . 

إلا أن كارتونوف يستدرك ويقول بأن سوريا ، مع ذلك ، تشبه أفغانستان من زاوية أخرى ، إذ وكما في أفغانستان ، ليس من الواضح تماماً متى ستنتهي العملية العسكرية في سوريا ، ووفق أية شروط . فمواعيد الإنسحاب النهائي للعسكريين الروس من سوريا يجري تأحيلها باستمرار، و"يتسرب النصر العسكري من بين الأصابع" ، على قوله . 

أما نيكولاي ريجكوف ، رئيس وزراء روسيا (الإتحاد السوفياتي) خلال فترة الإنسحاب من أفغانستان، فقد رفض رفضاً قاطعاً إجراء أية مقارنة بين سوريا وأفغانستان . وقال في مقابلة مع إنترفاكس في شباط/فبراير الماضي في الذكرى الأربعين لغزو أفغانستان ، بأنه "لا يجوز قطعاً مقارنة ما لايقارن" ، واعتبر أنه يوجد أساس شرعي بين سوريا وروسيا لتقديم المساعدة في حالة العدوان . واعتبر أن المساعدة الروسية قد طلبها رئيس سوريا الشرعي والقانوني ، وبغض النظر عن الموقف من الأسد ، إلا أنه شرعي ، برأيه . والعالم لا يعيش في فراغ ، بل تقوم العلاقات بين الدول على أسس حقوقية ، وروسيا ، إذ تقدم المساعدة لسوريا على أسس حقوقية شرعية ، لا تسعى إلى أن تقيم في هذا البلد ما يشبهها ، وتجعلها على صورة روسيا. ويقول بأن روسيا تؤيد الحل متعدد الجوانب للمشكلة السورية، وبأنها تؤيد في سوريا الدستور ، الذي يتوافق مع تقاليدها . 

المقارنة بين تورط روسيا السوفياتية في أفغانستان وانخراطها الراهن في المقتلة السورية ، لم تغب عن المواقع والصحف الروسية منذ العام 2015، بل هي موجودة ، أو تتراءى في خلفية معظم النصوص الروسية ، التي تتحدث عن التورط الروسي في سوريا . بعد حوالي السنة من بدء العملية العسكرية الروسية في سوريا ، كتب أحد المواقع الروسية المغمورة ((sevodnya.ru مقالة بعنوان "سوريا مثل أفغانستان" ، قارن فيها بين التبريرات ، التي ساقتها القيادة الروسية في كلتا الحالتين . وقال بأن الإتحاد السوفياتي دخل أفغانستان وهو يعلن بأنه لا ينوي الحرب طويلاً ، وبأنه دخل بقوة عسكرية صغيرة ، وأن السكان المحليين يرحبون بشكل عام بالقوات الروسية ، والعدو هم المجاهدون السنة ، وبأن أفغانستان تقع بعيداً عن موسكو .

التبريرات عينها ، برأيه، ساقتها القيادة الروسية الحالية لدى دخولها سوريا ، إذ أعلنت أنها لا تنوي الحرب طويلاً ( حتى أنها أعلنت عن انسحاب القوات في ربيع العام 2016) ، ودخلت بوحدة عسكرية صغيرة (الطيران العسكري مع الحماية والخدمات الأرضية) ، والسكان المحليون يرحبون بالعسكريين الروس ، ونجاحات بأقل الخسائر ، والعدو هو من الجنود السنة (ثائرون ، مقاتلون ، إرهابيون ، معارضة معتدلة وغيره) ، وسوريا تقع أيضاً بعيداً عن موسكو . 

يستشهد الموقع بأقوال صينية قديمة عن "فن الحرب" ، تشير إلى أن النجاح هو حليف الحملات العسكرية السريعة ، وليس الحروب المديدة ، ويقول بأن روسيا يبدو أنها ، وكما الإتحاد السوفياتي من قبل ، قد وقعت في حرب مديدة مجهولة النتائج . ويقول بأن ما يجري لروسيا في سوريا شبيه بما جرى لها في أفغانستان : نجاحات عسكرية في البداية من دون دلائل على النصر في الحرب ، ثم تبعتها مرحلة تنشيط الولايات المتحدة لعملية مد القوى المعادية للروس بالسلاح ، والتي أفضت إلى خسارة كابول . ويقول بأنه يُشتم مما يجري في سوريا رائحة الفخ ، الذي وقعت به في أفغانستان من قبل ، غير أنها لم تقع به حتى الآن في سوريا(العام 2016) ، لكن إن وقعت به "فهذا أمر سيئ، ومحزن ، محزن للغاية".

من جهة أخرى ، وفي ذكرى اليوم عينه ، الذي اتخذ فيه المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي القرار بغزو أفغانستان، في 12 كانون الاول/ديسمبر العام 1979، قام موقع "znak" الروسي المعارض بنشر مقالة مطولة بعنوان "أفغانستان أدت إلى موت جيشنا ودولتنا" ، قال فيه بأن هذا القرار تحول إلى خطأ مميت. وينقل الموقع عن النائب الأول للجنة الدفاع في مجلس الدوما ألكسندر شيرين قوله ، بأن أفغانستان هي مثل سوريا الحالية ، وظروف إدخال القوات السوفياتية إلى أفغانستان كانت تشبه تماماً ظروف إدخال الجيش الروسي إلى سوريا . الظروف عينها ، والجهاديون عينهم ، الذين انتفضوا وحاولوا إسقاط الحكومة الشرعية في أفغانستان، والإتفاقات نفسها بين الإتحاد السوفياتي وجمهورية أفغانستان الصديقة. ويقول الموقع بأن مثل هذه التصريحات سوف تتكرر بالتأكيد على لسان المسؤولين والسياسيين والعسكريين ، في الذكرى السنوية الأربعين لبدء الحرب الأفغانية ، لكن لا بد للرؤوس الحامية ، برأيه ، من أن تعترف ، بأن إدخال القوات الروسية إلى أفغانستان كان خطأً ، وأن هذه ليست وجهة نظر الموقع فقط ، بل هي وجهة نظر بعض المسؤولين السابقين في جهاز KGB السوفياتي ، الذين شاركوا في الحرب الأفغانية . 

بدورها ، صحيفة عتاة القوميين الروس الفاشيين "zavtra" ، التي تصطف إلى اقصى يمين السلطة الروسية الراهنة ، والتي تتهمها دوماً "بخيانة" مصالح روسيا القومية ، نشرت في 5 من كانون الأول/ديسمبر الجاري مقالة بعنوان "مشروع من تنفذ روسيا في سوريا" . توجهت الصحيفة إلى قرائها بالقول "جَدّياً ، من منكم بوسعه أن يصيغ بشكل واضح ومفهوم هدف وجودنا العسكري في سوريا ؟" . وقالت ، حين بدأت الحرب في أفغانستان في العام 1979 ، "شرحوا لنا بسرعة ، بأن الشباب الطيبين في أفغانستان يريدون بناء الإشتراكية ، بينما الشباب السيئون يعترضون طريقهم" . وكان واضحاً ومفهوماً أن على الروس مساعدة "الأفغان الطيبين".

وتنهي الصحيفة سخريتها اللاذعة في المقالة بالتذكير بفكاهة قديمة حول سلطة بوتين واستهتارها بمصالح روسيا القومية . تقول الفكاهة ، أن رئيس شركة كوكا كولا اتصل بالرئيس بوتين في بداية عهده واقترح عليه ، بأنه إذا كان يريد اعتماد العلم الأحمر في روسيا ، يمكنه أن يضيف باللون الأصفر كلمة  "Соса-Соla" ، وتتولى الشركة تسديد كل ديون روسيا الخارجية مع دفع مبلغ إضافي . أُعجب بوتين يالإقتراح ، وطلب من رئيس الشركة عدم إقفال الهاتف ، ونادى على رئيس وزرائه وسأله متى ينتهي العقد مع شركة " Aquafresh" .
 

الروس أدرى بشعاب سلطتهم . وإذا كانت ثقتهم بها على هذا القدر من التدني ، فهل يصعب على السوريين التأكد من أن روسيا بوتين ، وعلى الرغم من كل "انتصاراتها" المحلية ، سوف تخرج في نهاية المطاف كما خرجت من أفغانستان ، وستكون سوريا أفغانستان الثانية بالنسبة لها . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب