آخر تحديث:13:12(بيروت)
الأربعاء 06/11/2019
share

فزّاعة بوتين في بعبدا

بسام مقداد | الأربعاء 06/11/2019
شارك المقال :
فزّاعة بوتين في بعبدا

حمل المشاركون في تظاهرة العونيين في بعبدا لافتات هددوا فيها اللبنانيين بالرئيس الروسي بوتين ، وجعلوا منه فزاعة للحراك اللبناني .  وينبغي الإقرار بصواب اختيار العونيين هذا ، لتأكيد انضوائهم في معسكر العداء لثورات الشعوب على واقعها ، وضد تسلط طغاتها . فليس أفضل من بوتين رمزاً  للعداء لثورات الربيع العربي ، منذ أن انطلق هذا الربيع في تونس ، وجعله في سوريا نهر دماء وزلزال دمار ، وحوله مصطلحاً لا يعني سوى الإضطراب والفوضى الهدامة ، التي تشرع أبواب بلدانها لكل أنواع "المؤامرات" والتدخل الخارجي .  

لم يتأخر بوتين في الترحيب بخيار العونيين هذا ، فأعلن في اليوم التالي لمظاهرتهم ، الإثنين في الرابع من الشهر الجاري ، عن منح مستشار الرئيس عون والنائب في البرلمان اللبناني أمل أبو زيد وسام الصداقة الروسي . ومُنح أبو زيد الوسام هذا مع مجموعة كبيرة من الروس والأجانب ، بمناسبة يوم " الوحدة الشعبية" السنوي ، الذي ابتدعه بوتين العام 2005 ، كبديل لليوم الذي كان يحييه الروس في 7 تشرين الثاني/نوفمبر بمناسبة ذكرى الإنقلاب البلشفي العام 2017 ، وتخليداً لذكرى تحرير موسكو من الإحتلال البولوني العام 1612 . 

وعلى الرغم من وجود ممثلين شخصيين مقيمين في موسكو لكل من الحريري وجنبلاط ، إلا أن الكرملين اختار ممثل الرئيس عون ، وجعله يتحدث باسم اللبنانيين ، كل اللبنانيين ، متجاهلاً حشودهم المنتفضة منذ ثلاثة أسابيع ضد عهده والنظام السياسي ككل. فقد عنونت وكالة نوفوستي الرسمية النص المتعلق بمنح الوسام بالقول "في لبنان شكروا روسيا على دعمها في النضال ضد الإرهاب" , ونقلت عن أبو زيد شكره روسيا على "الشرف الكبير" ، الذي منحته له ، وقوله بأن مواطني لبنان سوف يتذكرون ذلك لسنوات طويلة . وقال أبو زيد أن اللبنانيين يرون في روسيا مدافعا ومنقذاً من السياسة قصيرة النظر للبلدان الغربية ، التي تنوي استئصال المجتمع العرقي المتنوع في المنطقة ، عن طريق تمويل الأفكار الراديكالية ودعم المنظمات الإرهابية ، وعرقلة المبادرة الروسية لإعادة النازحين السوريين إلى بلدهم . وعبر أبو زيد عن ثقته بأن هذه المبادرة سوف تحمل السلام والهدوء للمنطقة، ولذا فهو يأمل بتطور الحوار بين روسيا ولبنان وتقدمه ، والذي يستند إلى "قيمنا المشتركة" . 

الحدث الآخر ذو الدلالة البالغة ، الذي ترافق مع اختيار الشخصيات الأجنبية المرشحة لنيل الوسام هذا ، ويعبر خير تعبير عن عقلية الفتوة المتحكمة بسلوك الكرملين تجاه البلدان الأخرى الصغيرة ، تمثل في اختيار الشخصية البلغارية لنيل الوسام .  فقد اختار الكرملين من بين البلغار لنيل وسام الصداقة زعيم حركة "محبي روسيا" نيكولاي مالينوف ، الذي يُحاكَم في بلغاريا حالياً بتهمة التجسس لصالح روسيا ، ويحظر عليه مغادرة البلاد . وقد تسبب قرار المحكمة البلغارية بالسماح له بمغادرة البلاد لمدة 4 أيام مقابل ضمانة مالية ، باندلاع  اشتباك سياسي ، حفزته إطلالة مالينوف من قناة التلفزة الروسية الرسمية ، وتصريحه بأن منحه الوسام كان ردة فعل على فضيحة اتهامه بالتجسس لصالح روسيا ، حسب إذاعة "الحرة" الناطقة بالروسية .

وفي العودة إلى السياق اللبناني للحدث ، عقد أمل أبو زيد في اليوم التالي لتسلمه وسام الصداقة من الرئيس بوتين في الكرملين ، لقاءاً مع الممثل الخاص للرئيس الروسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، ونائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ، بحث خلاله الوضع الراهن في لبنان إثر سقوط الحكومة بضغط من الإحتجاجات . وكان اللقاء مناسبة للمسؤول الروسي ليطلق التصريح الرسمي الثاني بشأن الحدث اللبناني ، بعد التصريح الذي أطلقته قبله الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا ، وقالت فيه بأن الإحتجاجات هي شأن لبناني داخلي. لكن بوغدانوف ، وانسجاماً مع الإتهامات التي بدأ يسوقها العونيون وحزب الله للمنتفضين اللبنانيين بتلقي التمويل من الخارج ،  صرح إثر اللقاء عن رفض موسكو لمحاولات التدخل الخارجي في شؤون لبنان . وقال بانه قد تم التركيز في اللقاء على عدم القبول بالتدخل من الخارج في شؤون لبنان ، وتنفيذ سيناريوهات جيوسياسية من خلال استغلال وتعميق الصعوبات الموضوعية التي تعترض لبنان .

لكن الحال في روسيا نفسها ليس افضل بكثير مما هو عليه في لبنان . فقد نشرت صحيفة الأعمال الروسية الرصينة "vedomosty" الأربعاء في 6 من الشهر الجاري نتائج دراسة مشتركة حول مطالب الروس الراهنة ، قام بها كل من "مركز كارنيغي" في موسكو و"مركز ليفادا" الشهير للدراسات الإجتماعية . تبين الدراسة أن حوالي 60% من الروس يطالبون بتغييرات حاسمة في البلاد تشترط تغييرات جدية في النظام السياسي نفسه . وتقول الدراسة أن هذا الرقم قد قفز خلال السنتين الأخيرتين من 42% إلى ما هو عليه الآن ، إلا أنه لا يعني أن الروس على استعداد كلي لتغيير السلطة ، بل يعني أن الإستياء ينمو في المجتمع ، وسوف يتفجر على نحو متزايد بحركات احتجاج جماهيرية ، تتعامل معها السلطة باللجوء إلى تغيير في الأشخاص ، كما في حالة التبديل في حكام المناطق . 

من جهته ، يشير موقع "rosbalt" الإخباري الروسي القريب من الشيوعيين ، إلى أن يوم "الوحدة الشعبية" في روسيا شهد حركات احتجاج حاشدة من اقصى الشرق الروسي إلى العاصمة موسكو . ويشير الموقع إلى أن التظاهرات في اليوم المذكور لم تقتصر على تظاهرات الإحتجاج فقط ، بل شملت أيضاً التظاهرات ، التي تنظمها السلطة في العادة ، ويستدعى إليها موظفو الدولة وتلامذة المدارس وطلاب الجامعات ، الذين يُلزم المتخلفين منهم بتبرير أسباب عدم مشاركتهم . 

أما من المسؤول عن "تفريخ" المشاركين في الإحتجاجات على السلطة ، فيرى إعلامي الكرملين الشهير دمتري كيسليوف أن نظام التعليم العالي الروسي في الإختصاصات الأدبية "يمثل خط إنتاج الساخطين" على النظام ، كما نقل عنه موقع "kasparov" المعارض . ويقول كيسليوف أن ثمة في روسيا من المحامين والإقتصاديين وسواهم من الإختصاصات الأدبية أكثر مما تحتاجه بكثير ، إذ يوجد في موسكو وحدها أكثر من نصف مليون طالب جامعي ، أكثر من نصفهم هم في الإختصاصات الأدبية ، و"بدل أن يدرس هؤلاء يحققون ذاتهم في الإحتجاجات" ، على قوله . 

ويخلص هذا الإعلامي إلى الإستنتاج ، حسب الموقع المذكور ، إلى أن "نظام التعليم العالي هو خط إنتاج الساخطين" . ويؤكد على استنتاجه هذا رئيس الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب فلاديمير فيليبوف ، الذي يقول بأن "سلسلة الثورات العربية كلها جاءت من الطلاب ، الذين تلقوا تعليماً عالياً ، وبقوا على الهامش دون عمل" .

بعد الإنتخابات الرئاسية الروسية في العام الماضي ، كتبت المخرجة المسرحية الروسية تاتيانا فرالوفا على موقعها في الفايسبوك ، كما نقل موقع "7x7" الروسي ، تقول "إلى أي عار وإهانة أوصلت السلطة البوتينية روسيا ، حيث يتهمونها بكل الموبقات : بالرياء ، بالكذب ، بالعدوان ، بالقتل ... يطاردونها من كل الجهات ويلاحقونها بالرفسات؟!" . 

إن رفع العونيين فزاعة بوتين بوجه اللبنانيين ، ليس وسام شرف على صدر روسيا ، بل هو إهانة لا تستحقها روسيا غير البوتينية. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها