آخر تحديث:00:09(بيروت)
السبت 30/11/2019
share

جمهوريات الموز.. والجوز

أحمد عمر | السبت 30/11/2019
شارك المقال :
جمهوريات الموز.. والجوز

كان أوتانابي يظنُّ أنَّ الموز نبات طوطم في ملِّة السوريين؟

أوتانابي مهندس ياباني، في الستين، ذكي، ويحسن المزاحة على خلاف اليابانيين الذين يغلب عليهم الجد، وينتحرون انتحار الشرف بالهاركيري إذا استشعروا ذلاً، شرَّفته شركته المنتدبة إلى سوريا، بعد أن شمّت رائحة مواهبه، برفعه من رتبة مهندس في بناء العنفات والمولدات إلى مستشار في التنمية البشرية ومستشرق في بناء القوة الناعمة في بلاد العرب، في شركة ميتسوبيشي العملاقة التي تنتج السيارات والمولدات الكهربائية وغيرها من الآلات. نمت بيننا صداقة ومودة بعد عداوة، كان يشعرني دوماً بالعار والصَّغار، سألني مرة: ما هو هذا الطعام الذي تفطرون عليه كل يوم؟ قلت له: إنه الحمّص، يبني بيوتا لا عماد لها ..

 والمصريون يعيشون على الفول، والفول والحمص أخوان في الرضاعة واليخضور والفطور، مثل الإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي، وادَّعيت أننا نحب الحمص، وكان في الحقيقة أرخص طعام سوري. ومن أسئلته: السوريون عندهم مشكلة مواصلات، فلمَ لا تشجع الدولة على اقتناء دراجات نارية؟! فكنت أحار جواباً، فأزعم إنّ سبب حظر الدولة الموقرة للدراجات النارية هو حرصها على الأمن والأخلاق، وردعا للنشل والسرقة، ولم يكن يقود الدراجات سوى رجال المخابرات الذين ينالون مكرمة رخصتها بنفوذهم المتحصل من خيانة أهلهم وشعبهم. وكان يسكت ويمخضُّ الجواب في رأسه عن الزبد، فيفسر غلاء الموز وحبَّ السوريين له، بعلّة دينية أو مذهبية، ولم يكن الأمر كذلك، كل الأديان فيها كائنات طواطم من النبات أو الحيوان أو الجماد، وهناك طائفة دينية غير عربية في سوريا والعراق تحرم أكل الخس، وأخرى عربية سورية تحرم أكل الملوخية، لكن الموز الذي يعلق كالثريات في البقاليات بريء من الطائفية. لحم الخنزير والخمر محرّمان على المسلمين، أحل دينهم الطيبات وحرّم عليهم الخبائث.  التمر نبتة مكرمة عند المسلمين، لكنه ليس مقدساً، جاء في الحديث: أكرموا عمتكم النخلة، المساجد في أوروبا تقدم التمر للمصلين بعد صلاة الجمعة.

 الموز من الأسرة الملكية الطلحية في شعوب النبات وأممها، والتمر ليس سني المذهب. مرة قال مستشرق زائر من غير أن يرفُّ له جفن: إنّ الفن التشكيلي السوري مريضٌ بتقسيم اللوحة إلى مربعات فهو عرضٌ من أعراض الطائفية السورية. كان رأي أوتانابي أن للتحريم سبباً دينياً أو سياسياً، ويظن أنَّ الأسد قد أعزّه بجعله حلماً مشتهى وأذلَّ الشعب السوري بالخبز. وكان يسأل: كيف تكون سوريا من الدول المنتجة لأفضل أنواع القمح وشعبها يقف أرتالا أمام أبواب النار في المخابز!

الأسرة الطلحية! هذا هو السبب إذاً، وجدتها، التمر شبه نادر في سوريا مثل الموز، سوريا لا تستورده مع أن كل البلاد العربية تزرع التمر وتصدره: العراق والجزائر ومصر والسعودية، وهو طعام البهائم في البلاد العربية الشقيقة لكثرته!

أدرك أوتانابي أنَّ النظام طائفي، وكان يسألني عن طوائف الموظفين لإنزالهم منازلهم، فيزن أقدارهم بطوائفهم، وكان موقناً أنّ للموز شأناً مع حافظ الأسد، ولم يكن قد رأى فيلم "الغجرية العاشقة" لسميرة توفيق الذي يؤدي فيه زياد مولوي شخصية عبدو، ويحمل طوال الفيلم عثكول موز، يأكل منه بلا شبع، وهو فيلم من السبعينيات، أنتج بعد الحركة التصحيحية التي جعلت الموز ملكاً متوّجاً، والشعب خبزاً في الفرن.

 الموز طعام لذيذ، والألمان يأكلونه بكثرة، وله رحم مع الجوز وقربى، فهو شقيقه في القافية والوزن وعدد الحروف، ونقيضه في الطعم والمضغ والتقشير، سهل المنال، يستطيع الطفل تقشيره، وليس مثل الجوز المنيع، الحصين، الذي لا يطال في قلعة الخشب الكروية إلا بأدوات الحدادين، وهناك وصفات طبية تصف الموز دواء بأكله مع القشر، وفي تقشيره لذة يدّعي أولو النظر أنها جنسية، وهي لذة تشمل الذكر والأنثى، ليس مثل التين الذي يؤكل من غير تقشير، ولا مثل التفاح الذي يؤكل بالسكين مقشراً أو مع قشره، وهو من غير عجم، كان أوتانابي يبحث عن تفسير  سياسي ومذهبي للموز، لم يكن يقنع بالعلة الاقتصادية، فاليابان تستورد الموز مثل كل الفواكه، وهو أذلُّ في اليابان منه في سوريا، أسعار الفواكه والأطعمة متقاربة في أوروبا واليابان. لقد غيَّر حافظ الأسد عقيدة الشعب السوري الوطنية والغذائية، الحيطان صار لها آذان، والسقف حلم لكل سوري. قلت ساخراً: إن النظام حريص على صحة شعبه، فقشور الموز تسبب الحوادث الخطيرة. وتخلّ بالأمن والاستقرار. 

 وكان رأيي أن الأصل في الدكتاتورية هو الحاجة، والنظام مشغول بالصمود والتصدي، الاسم القديم للمقاومة والممانعة بعد ظهور حزب الله، وأزعم أنه حريص على صيانة الشعب وصحة عظامه من الانزلاق على قشور الموز. الخبز له كرامة في بلاد الشام، فكثير من الناس تقبّله وتنحّيه عن الطريق، وأعتقد أن لهذا التكريم أصلاً وثنياً يعود إلى عشتار، مع أن هناك إشارات في الآثار الإسلامية ضعيفة تحضُّ على تقدير الخبز، والآثار التي تعظم في الخبز في الإنجيل أكثر، لكن المسيحيين لا يقدرون الخبز كما يفعل عامة المسلمين.  أدرك حافظ الأسد أنه قبل أن يضمن ولاء الجيش ويطوّع علماء الدنيا والدين، لا بد له من استرقاق الخبز، حتى يوطئ له الأمور، ذلك ليس من أنباء الغيب، فهو ألف باء الطغيان: المواطن الضعيف أحبُّ إلى الطاغية من المواطن القوي واليد العليا في دولة الطغيان هي التي تغدر.

 لم يكن أوتانابي فضولياً وحسب، بل مناضلاً أيضاً. حاول أن يتدخل لدى الوزير صاحب الشأن لتحسين أجور المهندسين والموظفين عموماً، فهي أجور ظالمة، لكن الوزير صدّه، وحذّره، فالأجور شأن سيادي، واليابانيون لا يتدخلون في غير شؤونهم، وكان يتفضل أحياناً علينا بمكافآت، فيدعونا لفطور فيه موز وخالٍ من الحمص، أو يشتري بدولار واحد سكاكر نأكل منها كل اليوم فيجعله آيةً وعيداً لإولنا وآخرنا، وكان يسخر من السياسة السورية، ويقول للرفيق الحزبي الذي يأتي بمزيد من صور الأسد في الأعياد الوطنية الكثيرة، أرجوك تصدق عليَّ بصورة من هذه الصور.

ما زال أوتانابي يرسل لي الإيميلات بين الحين والآخر، ويسأل عن الأخبار العلمية والسياسية، قلت له في أحدها: سوريا وأخواتها العربيات أنظمة جوز وشعوب بطاطا، وليست جمهوريات موز، وهو وصف ساخر أطلقه الكاتب الأمريكي أو هنري على دول أفريقيا الوسطى في إحدى قصصه.  تأويل ملل الموز ونِحل الجوز في علوم السياسة السورية هو أنَّ: الموز انقلاب لسهولته والجوز ثورة لصلابة النظم الطغيانية. انقضى مع تولي الأسد عصر الموز، كانت الحكومات تنقلب بسهولة مثل تقشير موزة، ثم جاء عصر الجوز مع الثامن من آذار. استهديت بقول ونستون في رواية جورج أورويل الشهيرة: التحكم هو الحاجة. وهو نقيض الحكمة الإسلامية الشهيرة: العدل أساس الملك. الموز ثمرة تدل على الفحولة والذكورة، وفي تأويل الأحلام هو علامة سؤدد.

أرسل المتنبي، وهذا تعريب اسم أوتانابي على مذهب أسامة بن منقذ الذي كان يعرِّب أسماء الصليبيين تعريباً ساخراً، فيقلب إسم بوهيمون إلى ابن ميمون وبيندكت إلى ابن دقيق، رسالة لي من الأردن، المقر الجديد الذي نقلت إليها شركة مصطو باشا (ميتسوبيشي) مكاتبها السورية بعد الحرب، قال فيها:

وجدت تفسيراً لطوطمية الموز في سوريا. وكان الجواب كلمة واحدة، عربية، وكان قد صوَّرها وألصقها بالرسالة:

 قرد.


 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب