آخر تحديث:12:05(بيروت)
الجمعة 29/11/2019
share

يتلذذون بإفقار الناس

مهند الحاج علي | الجمعة 29/11/2019
شارك المقال :
يتلذذون بإفقار الناس
يرسم القانون الجنائي عادة خطاً بين مرتكب الجريمة عن غير قصد، وذاك الذي يُقدم على فعلته عن سابق تصور وتصميم. في الجريمة الأولى، حسابات خاطئة أو إهمال يُعبّد طريق الفاجعة، وهي غير مقصودة، ولم يعرف صاحب الشأن بحتمية وقوعها. في الحالة الثانية، يعرف المجرم المسار ونهايته ويتحدث بالأمر ويُخطط للجريمة. وهناك برودة ومعرفة مسبقة بالنتيجة تفترض العقوبة القصوى، لا بل يتلقى المجرم موعظة وتوبيخاً من القاضي عند النُطق بالحكم، يتحدث فيها عن الشر الكامن في شخصية المرتكب والأذى المديد الذي تسبب به للآخرين. هذه الموعظة والعدالة المرافقة لها تشفي بعض غليل المصابين بالجريمة.

ونحن اليوم في لبنان أمام جريمة مالية كُبرى تتكشف فصولها، بدأت بالنهب المنظم للمال العام، مباشرة وعبر المتعهدين المنتفعين، وبالاستدانة غير المسؤولة والإنفاق المتهور، وبانتفاخ القطاع العام قبل كل انتخابات وبنهم المصارف على الأرباح، وتنتهي اليوم فصولها بنقل أموال المسؤولين الى الخارج، والحجز على ودائع الناس. صحيح أن علينا التمعن بالمستوى المرعب للجريمة، لكن ايضاً تنفع العودة قليلاً لكشف مستوى الوعي عند المسؤولين حيال هذه الكارثة.

قبل سنة، نهاية العام الماضي، أثار وزير المال علي حسن خليل زوبعة اعلامية بإعلانه أن لبنان يمر بأزمة اقتصادية بدأت في التحول الى أزمة مالية، وتحدث عن ضرورة "تصحيح مالي طوعي" تجنباً لحدوث "الأسوأ". لحق بهذا التصريح، زلة لسان لرئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري مطلع هذا العام جاء فيها اعترافاً بعدم وجود "الوقت للترف في السياسة لأن اقتصادنا قد يتعرض إلى انهيار إذا لم نقم بالعملية الجراحية (الاقتصادية) هذه بشكل سريع وبالإجماع".

منذ العام الماضي، تتحدث الطبقة السياسية اللبنانية عن الانهيار. وعند العودة اليوم لمراجعة هذه التصريحات، يرى الواحد منا وضوحاً دقيقاً في استشراف واقعنا الحالي. إضافة الى هذا الوضوح في خصوص الانهيار، هناك أيضاً جدول زمني له، إذ تصاعدت تصريحاتهم عن الوضع المالي والاقتصادي في حلول الصيف الماضي. في 14 تموز (يوليو) الماضي، أي قبل بدء الانهيار، اعتبر وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل أن الواقع المالي بات أكثر خطراً من التهديد الاسرائيلي، قائلاً إن "خوفنا اليوم هو من وضع اليد علينا مالياً ومواجهة هذا الامر تتطلب قراراً سيادياً استقلالياً لبنانياً". استشرف باسيل أن لبنان سيدخل في برنامج صندوق النقد الدولي لمعالجة الانهيار، ما يتطلب تنازلاً سيادياً لبنانياً عن القرار المالي. لم يكن باسيل يعلم فحسب بأن الانهيار سيقع، بل أيضاً تحدث عن خطوات لاحقة لم نرها بعد وقد تحصل العام المقبل.

عملياً، كان يعي المسؤولون اللبنانيون بأن الانهيار مقبل، وأيضاً عرفوا بالمطلوب فعله من اصلاحات اقتصادية ووقف الهدر والسرقات، لكنهم أحجموا عن أداء واجباتهم، وغلبوا مصالحهم الخاصة على مصلحة البلد وسلامته المالية والاقتصادية بحجة أن على الجميع التنازل عن الفساد والهدر، لا كل طرف على حدا. وهذه جريمة عن سبق اصرار وتصميم.

لكننا اليوم، وفي ظل غياب قاض مستقل وشجاع يُلبي طموحات الناس، لا نقف أمام طبقة سياسية نادمة أو تقف في موقف دفاعي. الطبقة السياسية اليوم تحيك خطة جديدة لاستغلال الناس، إما من خلال تأجيج الفتنة الطائفية، أو عبر تهريب أموال السلطة ومنتفعيها إلى الخارج، أو عبر تحقيق المزيد من الأرباح في ظل الفارق بين سعري صرف الدولار الرسمي وفي السوق. نعم، هناك في الطبقة السياسية من يرى فرصة سانحة لتحقيق مزيد من الأرباح. كانوا يعرفون بالانهيار، ولديهم رأس المال والسلطة والنفوذ اللازمين لتحقيق ربح طائل.

وما زال الساسة على موقفهم القاضي بتوزيع الحصص والتمسك بـ"المكتسبات" في الحقائب، أي أنهم يُواصلون الجريمة، وربما يتلذذون بها. هم مجرمون متسلسلون وساديون لن يتوقفوا وحدهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب