آخر تحديث:07:18(بيروت)
السبت 23/11/2019
share

ليس في السيرك السوري حيوانات

أحمد عمر | السبت 23/11/2019
شارك المقال :
ليس في السيرك السوري حيوانات
سيكون وقوف السوري يوماً أمام صندوق الانتخاب، وهو الصندوق السيادي الأكبر، وليس أمام صندوق الاستفتاء السحري، حدثاً سورياً كبيراً وفاتحة تاريخ جديد.

 مكرمة الأسد الأب، وكل سيرته مكارم الأخلاق، أنّه جعل السياسة ديناً، ومن نفسه وثناً، ومن ذلك قول الأسد الابن - وفرخ الوثن صنم - إنه لن يقبل دستوراً مصنوعاً في جنيف، وإن الدول الغربية التي حاربته، تحاول التغييّر بلسان السياسة عما عجزت عنه بأنياب الحرب. ولو حاربته حقاً، لدعمت المعارضة بصواريخ مضادة للطيران، أو لأسقطت طائرات الأمم الكثيرة ذات الحصانة بعض الخبز والملح على المدن المحاصرة، وهو أدنى من دعم المعارضة بالسلاح، وقال إنه لن يقبل إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، مع أن سوريا عضو في الأمم المتحدة.  

"الحرب هي ممارسة السياسة بوسائل أخرى" أشهر أقوال المُنظّر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، وكان يقصد الحروب بين جيوش الدول، ولم يكن يخطر له أن الحرب قد تجري بين الدولة وشعبها، كما نرى في سوريا ومصر، أما ليبيا فقد تحولت إلى دولتين، ويمكن قلب القول في البلاد العربية الجمهورية، إلى أن السياسة كانت وسيلة حرب على المجتمع، السياسة كحرب باردة لم تتوقف يوماً على الشعب السوري، وقد نضجت إلى حرب ساخنة استمرت تسع سنوات.

موعد الانتخابات السورية يقترب، فالسنون تتلاحق، وكل غرض الدستور المزمع صناعته في جنيف بقيادة المايسترو بيدرسن هو الوصول إلى السياسة بعد الحرب، وإغراء الأسد بالخروج من الكرم الذي امتلأ بالضواري، وبلوغ ذلك الصندوق الذي جعلته الأنظمة الحاكمة سحرياً، يحلم المواطن بليلى، فلا يخرج منه سوى الذئب وعلى أنيابه آثار الدم.

 وكان الانتخاب، أو الاستفتاء، وهو ليس نصف انتخاب، إنما هو قربان المواطن للوثن، موصوفاً دوماً في إعلام الدول العربية الجمهورية بالعرس. مصر ترتد إلى الحالة السورية، فسيناء تعادل جسر الشغور، ورابعة تعادل حماة في الثمانينيات، وسوريا لم تبلغ بعد سنّ مصر السياسي الذي انتكس، وإذا عدنا إلى لغة العرس والزواج والطلاق فإن إرسال الأمم المتحدة مراقبين يشبه إرسال حكم من أهل الزوجة وحكم من أهل الزوج، وقد أهرقت الدماء من أجل نزاهة الانتخاب، ولن يحتل بضع مئات من المراقبين الأمميين سورية في أسبوع، ويمكن للرئيس السوري أن يتحدى العالم  بأنه سيجريها تحت إشرافها، وسيفوز أيضاً بالعروس التي قاتل في سبيلها الدنيا، ما دام الناس يشكّون في نزاهة الرقابة السورية.

 قدّمت الأمم المتحدة المساعدات الانتخابية لأكثر من 100 دولة بعد انتخابات ناميبيا، التي أشرفت عليها قبل ثلاثين سنة، من غير أن تشعر هذه الدول بالذل أو نقصان السيادة، ومنها المستشارون إلى اللجنة المحلية للانتخابات العراقية سنة 2005، ولم تمارس الدور الإشرافي التنظيمي في هذه الانتخابات، سوى في حالتين، هما في انتخابات كمبوديا سنة 1992 – 1993، وتيمور الشرقية لسنة 1999 - 2002، وعملت الأمم المتحدة على تنظيم الانتخابات الوطنية وإجرائها بعض الأحيان كما في نيكاراغوا عام 1990، وأنغولا في عام 1992، وجنوب أفريقيا في عام 1994، التي تحققت فيها من نتائج الانتخابات.
 

 السؤال: لماذا يمتنع الأسد عن قبول إشراف الأمم المتحدة وهو يستطيع أن يفوز فيها؟ وبيت الأسد مليء بالعظام ورأس الثعلب مليء بالحيل؟ مثل حيلة استعمال الفلاتر، بمنع مرشحين مستقلين قادرين على الفوز، أو منع مرشحين قادرين على الوعد بزعامة سياسية، أو برشوة من استطاع النظام إليهم سبيلاً من المراقبين، فسيكون بينهم مراقبون من الدول الموالية مثل الصين، إيران، روسيا المحترفة بالغش الانتخابي، لا سيما أن السيادة السورية في طور الاسترقاق.

  لم تبلغ سوريا مرحلة القبول بمرشح أكبر من وزن النملة السورية، مثل حمدين صباحي، أو مرحلة عدلي منصور، وحجمهما أكبر من نملة، والإعلام قادر على النفخ بالسليكون أو تخفيف الأوزان إلى درجة جعل الزعماء جلداً على عظم، والفيل السوري قبِلَ بمنازلة مرشحين من وزن النملة في سنة 2014، كما أن الفيل السوري يحظى بحظوة أخرى، وهي أن نصف الشعب السوري المعارض قد نزح، ولن يشارك في الانتخابات، وأن شعبه الذي صمد في البلد متجانس، والخوف يصنع التجانس أكثر من النزوح. بالأمس قصفت إسرائيل دمشق، وزعمت دمشق أنها ردت عليها، ورأينا بعض الألعاب النارية في السماء، وكانت قناة العربية تسعى إلى إقناعنا بأنها ردتْ، وإنّها دولة مقاومة، والحرب كانت في سبيل الحصول على أصوات المنتخبين الإسرائيليين، فالحرب، غالبا، أحد أكبر المصوّتين في الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، وسبب رفض الرئيس السوري الإشراف الأممي، هو رفض القبول بفكرة تعدد الآلهة السياسية.

عودٌ إلى الصناديق الانتخابية التي قد يقف السوري أمامها يوماً فيهمس في أذنه بصوته وكأنه يأمر بقصف القصر الجمهوري، قد نرى يوماً عدلي منصور سورياً، أو نعود إلى مرحلة أحمد الخطيب، أو حتى مرحلة محمد مرسي المصرية، وهو ما تستطيعه الأجهزة السورية العتيدة، لكن الأسد وثن، وسوريا أمست دولة وثنية، دليل ذلك حبّ النظام للأصنام، أول ما فعله الأسد في الرقة هو إعادة صنم والده إليها، ولن يقبل حتى بالآلهة المساعدة التي تقربه إليه زلفى، وهو سبب كثرة ضحايا الثورة السورية مقارنة بضحايا المظاهرات العراقية أو اللبنانية أو الجزائرية، فالعراق بلغ تلك المرحلة، ولبنان هو كذلك من يوم أن عرفناه، والجزائر وثنها شبه ميت، والمؤسسة العسكرية هي التي تحكم.

 العقيدة السورية في الحكم عقيدة دينية خالصة. وعلمانيتها مقلوبة فهي تفصل بين السياسة وبين الدين، حيث السياسة دين والدين سياسة!

  القتل في مظاهرات الجزائر معدوم وفي مظاهرات لبنان شبه معدوم، وفي مظاهرات العراق لا يزال ضئيلاً مقارنة بسوريا بسبب توحيد الآلهة السياسية في سوريا، وتعدد الآلهة السياسية في الدول الشقيقة، ولذلك قتل النظام كل ذلك العدد الكبير، خوفاً من الشرك بالرئيس والشراكة معه.

ذكرنا بتأليه الرئيس الذي لا يحتاج إلى دليل، السبب أنّ الإيمان يلزمه دائماً تجديد، فهل من مدّكر. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب