آخر تحديث:09:42(بيروت)
الثلاثاء 19/11/2019
share

فاسدون يكافحون الفساد

مهند الحاج علي | الثلاثاء 19/11/2019
شارك المقال :
فاسدون يكافحون الفساد
من الصعب على هذه السلطة تمرير قوانين إصلاح جذرية من قبيل ضمان استقلال القضاء وتفعيل دور الهيئات الرقابية، وكل ما يُزعم على ألسنة أركانها مجرد مناورات وحقنات تخدير لم تعد تنطلي على أغلب اللبنانيين. الحقيقة أن هذه السلطة عاجزة حتى عن إقالة مسؤول فاسد تلطخت سمعته ببرنامج أو موضوع استقصائي أو حتى فيديو يظهر فيه وهو يتقاضى رشوة. ذلك أن هذه ليست من شيم السياسيين اللبنانيين، حتى لو حصل انهيار أو اجتاحت البلاد ثورة عارمة غير مسبوقة، تحديداً لجهة كونها لحظة وطنية جامعة وعابرة للمناطق والطوائف في كراهية الطبقة السياسية ومراكمة الغضب على ممارساتها.

لكن كيف كانت هذه السلطة تنوي مقاربة إدارة الأزمة، وما تقصده بمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة؟ أو بكلام آخر، كيف يُفسر قاموس السلطة السياسية هذه التعابير؟

في مطلع أيلول الماضي، أي قبل شهر ونصف الشهر من اندلاع الثورة الاحتجاجية ضد الطبقة السياسية، قدم وزير الخارجية والمغتربين حينها جبران باسيل ورقة للاجتماع الاقتصادي- المالي في قصر بعبدا، أعلن فيها رسمياً ومن دون مواربة بأننا "أصبحنا في قلب الإنهيار"، وبأن "لبنان بحاجة لصدمة كهربائية لا الى علاج أو عملية جراحية فقط". قدم باسيل حلولاً تتوزع على خمسة عناوين هي الفساد وعجز الموازنة والعجز التجاري وعودة النازحين وصياغة دور اقتصادي مشرقي وأورو-متوسطي للبنان. 

في شق الفساد، امتاز الكلام بصراحة مفاجئة، إذ تحدث الوزير عن "أ – الإمتيازات: وجوب التخلي من كل الأفرقاء عن مكامن الهدر في الدولة، مثل مجلس الجنوب – مرفأ بيروت -الميدل إيست – أوجيرو – إنترا – المهجرين. ب – التهريب الجمركي الشرعي وغير الشرعي: خطة متكاملة موجودة. ج – المنظومة التشريعية: هيئة الفساد – رفع الحصانة -السرية المصرفية – الأموال المنهوبة".

عملياً، أفصح باسيل، وهو أحد رموز النظام السياسي اللبناني منذ أكثر من عشر سنوات، عن مسألتين في حديثه عن الفساد. أولاً، أن الطبقة السياسية ترى الفساد "امتيازات" كلقب اللورد الموروث وأراضيه، أو كغنائم الفائزين بالحروب. والامتيازات تستحيل حقاً. ثانياً، أن الفساد سمة مشتركة بين "كل الأفرقاء" دون استثناء أحد من هذه العبارة. رغم اعتراض التيار لاحقاً على عبارة "كلن يعني كلن"، كان باسيل سباقاً في اجتراح ضرورة تخلي "كل الأفرقاء" عن الفساد، أو "مكامن الهدر" كما سماه، وكأننا أمام مشهد فض شجار وصُلحة، لا أمام عملية نهب منظمة. 

والورقة الإصلاحية للرئيس سعد الحريري لا تقل سوءاً. هي أيضاً تُوفر وعوداً بإعداد مشاريع قوانين فارغة لإستعادة الأموال المنهوبة وانشاء هيئة لمكافحة الفساد، لكن الرجل نفسه لم يتخذ اجراء واحداً بإبعاد مقاول فاسد أو إغلاق دكانة فاسدة في الدولة، وما زال الى اليوم في موقعه، دون أن يُكلف نفسه مثل هذا العناء. في قاموس السلطة، عندما نقرأ تشكيل هيئة (حتى لو في مكافحة الفساد)، هناك تلقائياً منتفعون من المحسوبين عليهم، ورواتب خيالية تكلفنا ملايين الدولارات كما في قطاع النفط وهيئته.

بالنسبة للحريري وشركائه في السلطة، حل هذه الأزمة يمر في خصخصة قطاعات مربحة للدولة، وتأجيل الفوائد الباهظة واستجلاب المزيد من القروض الخارجية. ومن أجل إرضاء الشارع، تُفتح تحقيقات في الفساد دون أن تصل الى نتيجة، كما هو الحال اليوم.

إنها طبقة سياسية غير قابلة للإصلاح، ولا ينفع معها سوى ضغط الثورة والتهديد المتواصل بالإسقاط في كل استحقاق انتخابي في النقابات والجامعات، ريثما تأتي الانتخابات النيابية والبلدية لتحقيق التغيير الشامل المنشود.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب