آخر تحديث:09:00(بيروت)
الأحد 17/11/2019
share

ايران والحراك المعلق!

حسن فحص | الأحد 17/11/2019
شارك المقال :
ايران والحراك المعلق! Getty©

قد يكون الكثيرون من المراقبين مسكونين برغبة طامحة ان تتطور الاحداث والاحتجاجات التي تشهدها ايران على خلفية الاعتراض على قرار الحكومة رفع قيمة مادة البنزين وبعض المشتقات النفطية، لتتحول الى تحرك سياسي لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط، وبالتالي ان تدخل ايران في سياق الحركات الاعتراضية التي تشهدها الساحتان اللبنانية والعراقية التي بدأت مطلبية واتسعت لتشمل السياسي.

ما شهدته ايران وانفجار الحركة الاحتجاجية دفع المطالعة التي قدمها المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية في لقائه مع المشاركين في مؤتمر الوحدة الاسلامية حول اسرائيل والقضية الفلسطينية وعملية السلام الشرق اوسطية والملف النووي الى الوراء على الرغم من اهمية الرسائل السياسية والاستراتيجية التي جاءت فيه خصوصا وانها تزامنت مع التطور الامني الذي شهده قطاع غزة الفلسطينية والمواجهة بين اسرائيل وحركة الجهاد الاسلامي. 

الخطأ الذي اقترفته الحكومة الايرانية برئاسة حسن روحاني، بغض النظر عن صوابيته او عدمها من الناحية الاقتصادية وجهود الحد من الاستنزاف الاقتصادي والمالي الذي تتكبده الحكومة لتأمين مصادر طاقة مدعومة تصل كلفتها الى نحو 21 مليار دولار سنويا في ظل ازمة اقتصادية ومالية خانقة تضغط على النظام بسبب العقوبات التي فرضتها الادارة الامريكية وتستهدف اجبار ايران على تقديم تنازلات في البرنامجين النووي والصاروخي وملف نفوذها الاقليمي، لكن من الممكن وصفه (اي القرار) بالخطأ الاستراتيجي الذي قد يضع النظام واستمرار نفوذه الاقليمي وحتى في ورقتي النووي والصاروخي في مهب تطور الازمة الاحتجاجية وما يمكن ان تقود البلاد اليه. 

الشرارة التي اطلقها قرار رفع اسعار (البنزين) او "الواتس آب الايراني" اشعلت هشيم سنوات من تراكم الصمت على الازمات التي لا تقتصر فقط على تداعيات العقوبات الامريكية، بل لما ظهر من صراع داخلي بين قوى السلطة، حتى داخل التيار الواحد – المحافظ – وما يكشف عنه من اهوال ومصائب اقتصادية تسببت بها عمليات النهب المنظم والفساد المنتشر والمستشري في مفاصل النظام والسلطة، اضافة الى فشل الحكومات المتوالية على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضي في ادارة الاقتصاد، لم تعد المسوغات التي تقدم في هذا الاطار مقنعة لغالبية الجمهور الذي لم يعد قادرا على تحمل تبعات ونتائج هذه السياسات. 

الملامح الاولى للاحتجاجات في ايران تكشف اوجه شبه كثيرة وكبيرة بينها وبين الاحتجاجات التي وقعت اواخر عام 2017 ومطلع عام 2018 واسهمت في ضرب الطبقة الوسطى الحاملة للاستقرار على خلفية انهيار بعض المؤسسات المالية والاستثمارية بداية في مدينة مشهد شرق ايران ثم تداعت بعدها المدن كأحجار الدومينو لتعم نحو 100 مدينة وناحية، والتي تسببت بها بعض الجهات المحسوبة على الجناح المتشدد في التيار المحافظ ، التي حاولت استغلال تلك الازمة لتوجيه الغضب الشعبي على حكومة روحاني وادارته الاقتصادية خصوصا بعد النجاح النسبي الذي حققه جراء التوصل الى الاتفاق النووي مع القوى العالمية الستة، ولم تتراجع عن موقفها الا بعد ان لمست خطورة ما آلت اليه الاحتجاجات التي بدأت تأخذ بعدا سياسيا وامنيا يهدد بقاء النظام. وهي لا ترتقي كما هو ظاهر حتى الان الى مستوى احداث 2009 ذات البعد السياسي التي جاءت نتيجة الاعتراض على الانتخابات الرئاسية وعودة محمود احمدي نجاد الى رئاسة الجمهورية، وقادها حينذاك المثقفون وطلاب الجامعات والاحزاب السياسية والتي احرجت النظام بشكل كبير وحقيقي ما جعله في مواجهة خيار الانحناء امام مطالب الشارع السياسية والاعتراف بالتزوير وبالتالي وضع مصداقيته الدينية على المحك الذي قد ينتهي بالقضاء عليه، واما ان يلجأ الى عملية قيصرية والاستخدام المفرط للعنف في القمع واستعادة المبادرة على الرغم مما في ذلك من اضرار ستلحق به جراء اعتماد هذا الخيار وتحمل التبعات التي تهز صورته في الداخل والخارج، وكان الخيار الثاني الذي يحقق له استقرار ولو كان هشا بما فيه من اهتزاز لاركان استقراره وتحولها الى اسس غير ثابتة بحاجة الى علاجات دائمة ومستمرة وتقديم تنازلات مواربة كان وصول حسن روحاني الى الرئاسة وما قام به من فرض تفاوض مع الادارة الامريكية الاوبامية من نتائجها المباشرة على الرغم من ارادة النظام الذي اضطر معها الى مزيد من الاندفاع نحو الاقليم خصوصا في كل من العراق ولبنان والانغماس في الازمة السورية لتعويض الخطوات التراجعية على المستوى الايديولوجي امام اللاعب الامريكي. 

المسارعة الامريكية على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو لاعلان دعمها لتحرك الشعب الايراني، جاءت ترجمة للانتظار الامريكي الذي سيعتبر ان هذه الاحتجاجات هي نتيجة متوقعة وحتمية لساسات العقوبات التي اعاد فرضها الرئيس دونالد ترامب بعد الانسحاب من الاتفاق النووي بهدف اجبار النظام على التخلي عن تصلبه والقبول بالعودة الى طاولة المفاوضات تحت سقف الشروط التي سبق ان اعلنها البيت الابيض لها. في المقابل فان النظام في ايران لن يكون امامه من خيارات في حال استمرت هذه الاحتجاجات وانفلت عقالها واخذت بعدا سياسيا سوى اللجوء الى ممارسة القمع والعنف المفرط للسيطرة بذريعة التصدي للمؤامرة الامريكية، واعادة الامور الى سابق عهدها على ما في ذلك من مخاطر، الا انها ستكون اقل من اضطراره لتقديم تنازلات في ملفات اقليمية مشتعلة في العراق ولبنان واليمن بعد ان استثمر فيها الكثير من قدراته السياسية والمالية والاقتصادية، فاي ارباك في ساحته الداخلية سيعني حكما تراجعا في قبضته الاقليمية واضراره لتقديم تنازلات مؤلمة على المستويين من اجل الحفاظ على استمرار النظام وبقائه. 

الايام المقبلة قد تكون كفيلة في تحديد الاتجاهات والطابع الذي ستتخذه موجة الاعتراضات في ايران، وهل ستبقى تحت سقف المطالب الاقتصادية، ام انها ستذهب لمزيد من التسييس والمواجهة المفتوحة حول النظام والسلطة، والتغيير الذي قد يكون جذريا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها