آخر تحديث:01:54(بيروت)
السبت 16/11/2019
share

الأسد الوردي: حساب وجغرافيا

أحمد عمر | السبت 16/11/2019
شارك المقال :
الأسد الوردي: حساب وجغرافيا
أهم العبر والفوائد التي يعود بها المشاهد من مقابلة الرئيس السوري مع روسيا اليوم الإنكليزية، غير قوة منطقه الذي في الرأس، أو الذي يشدُّ حول الخصر، وغير حديثه عن فضائل حربه على الإرهاب الذي أعاد روسيا إلى الحلبة الدولية، وجعلها قطباً مقطوباً مستقطباً، وغير حديثه عن آكل الكبد الشهير، فلا بد من ذكره في كل حديث كما يفعل سميّه ومندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري لعوائده ومردوده في الغرب، والحوار موجّه لجمهوره في الغرب، وغير ذكر النصرة والقاعدة في كل حديث وحلقة ذكر سياسي، كما يستعيذ المؤمن بالله من الشيطان الرجيم، وغير إنكاره تضحية السوريين بأنفسهم من أجل شخص، فالناس تضحي من أجل القضايا، وهذا لأمر عجاب، ويصدق على الطرف الآخر، طرف الشعب الثائر، الذي كان واحدهم عندما يسقط شهيداً، يهتف صاحبه بجانب أذنه من أجل الإخلاص وضمان دخول الجنة: هي لله هي لله، لا الطرف الذي رفع شعار الله وسوريا وبشار وبس. لا تضحي الناس بحياتها من أجل شخص، بل تضحي من أجل ثروة قدرها خمسون دولاراً.

  وغير براعته في بيان الحجة وإقامة الدليل، مثل إنكاره التعذيب في المعتقلات السورية، أكبر مشغل للفن التشكيلي على جسم الإنسان وفي روحه، وإنكار التعذيب في سوريا مثل إنكار كروية الأرض، ومشاهدة حوار الأسد الفصيح تعذيب، ففي سوريا رعية خضعت للتعذيب الفعلي أو الرمزي، وحجته في ذلك هي أنَّ التعذيب غرضه الحصول على ثمار الاعترافات، لا حاجة إلى التعذيب طالما أن المخابرات يعرفون كل شيء عن المواطن السوري الشفاف، الأسد الوردي يقصر غاية التعذيب على الاعتراف، وكان التعذيب عبر العصور للعقاب والمتعة، وليس لكشف مكان الكنز أو تغيير العقيدة.  ولم يذكر الأسد شيئاً عن الدستور الذي يمنع التعذيب، أو عن الأعراف والتقاليد أو الإنسانية!

 وغير إنكاره استعمال السلاح الكيماوي ضد الناس في الغوطة أو خان شيخون، فقد سلّمه الأسد للغرب العدو، وأُتلف تحت بصره، وكان سلاحاً استراتيجياً لموازنة القنبلة النووية وتعديل اختلال ميزان السلاح بين سوريا المقاومة وبين إسرائيل المهاجمة، وحجته الدامغة في عدم استعماله هي قوله: لمَ القصف بالكيماوي ونحن لدينا أسلحة عتيدة تقليدية! ولم يذكر أنها بدائية مثل البراميل، وكان السلاح الكيماوي مدَّخراً للعدو وقد ضحى به بنزول عداوة  إسرائيل إلى المرتبة الثانية أو الثالثة بعد الشعب وتركيا، ثم إن الكيماوي يقتل أكثر من 200 شخص، وهذه حجة جديدة لم يذكرها محللوه ومستشارته الحسناء ذات الغنة بثينة شعبان، التي زعمت أنّ الضحايا في الغوطة أطفال من الساحل جرى تهريبهم، وغير إشادته ببراعة السوريين الإرهابيين في تمثيل دور الموت الكيماوي، وإنشاء الحارات والأحياء للتمثيل في زمن الحرب، وغير إنكاره قتل الطفل حمزة الخطيب، فقد قُتل الطفل وضاع دمه بين نيران الطرفين،  وزعم أن أهل الطفل يوافقونه على هذه الرواية، وغير غياب العَرَق، فهو لم يعرق من أسئلة المذيع اللطيفة كما عرق السيسي في حواره الشهير الساونا، فجلدُ الأسد خال من المسام. وغير إيمانه وثقته بنفسه، وتواضعه بقبوله الحوار مع محاور واحد، فالأسد يفضّل محاورة فريق يحاصره بالأسئلة عادة لقوة عقله، وكان الأسد في خطاب بعد الثورة قد حضَّ على فضيلة التواضع، وكأنه واعظ في تكيّة أو قسّ في كنيسة معترفاً أن أحد أسباب الثورة هو الاستعلاء على الشعب، وقد أُهمل هذا الخطاب تحليلاً وسخرية، وكان اعترف فيه بأن الدولة التي كانت تشرف على الطلائع والشبيبة قد فشلت في الوطنية والأخلاق وفي كل شيء، وغير حديثه عن الإعمار الذي سيتأخر، فقصره الجمهوري سليم لم يقصف وعرضه صيّن، وسيكون الإعمار من حصة الصين وروسيا وإيران وسيكون تدريجياً، لأن الغرب يمانع في الإعمار، ولا ينتظر منه أن يقول إذا كنتُ عقبة في طريق الإعمار فسأرحل وأعود إلى عيادتي في طبِّ العيون وتحسين بصر الشعب لتفريق الحقيقي من المفبرك في فيديوهات المندسين والإرهابيين، أو أرحل إلى روسيا وطني الثاني.

  أهم العبر والعظات أيها السادة هي ضعفه بالحساب والإحصاء؛ فهو يزعم أن عدد الضحايا مائة ألف، وربما يقصد الجند والعسكر، وهو عُشر عدد الضحايا، وكان منتظراً أن يذكر رقماً محدداً غير الرقم الصحيح التام مائة ألف، حتى يقنعنا باهتمامه بدماء جنده، ويذكر الأسد الوردي رقماً آخر عن المبلغ المدفوع للمتظاهرين وهو خمسون دولاراً، فهو ثمن بخس ينقض فهمه للاقتصاد في موضع آخر من الحوار، فالاقتصاد ليس حصة تموينية. لمَ يهتم الأسد الوردي بالأرقام، ومخابراته تحارب كل شأن أو إبداع أو عمل أو تحويلة من الخارج، وتلاحق أصحابها، فاقتصاد سوريا كان توزيعياً وريعياً وسياسياً مثل اقتصاد السجون، وقوله للمحاور اللطيف الذي كان يقفز من زهرة سؤال إلى سؤال آخر مثل النحلة، وما زلنا في العدِّ والإحصاء، أنه يستعد لجولة الانتخابات في سنة 2021، وكانوا ثلاثة مرشحين في الدورة السابقة، وقد اختفى المرشحان الكومبارس فلم نعرف عنهما خبراً، لأنهما أديّا دوراً في تلك المسرحية الظريفة، وبشّرنا وهو البشار بأنهم سيكونون أكثر من ثلاثة في المرة القادمة، وسينتخبه المرشحون طبعاً، ويكونون جنوداً  أوفياء في حملته الانتخابية، لم يقل الأسد الوردي، ولو مزاحاً أو تلويناً للحديث، إنه لا يعرف الغيب، فقد يحكم رئيس آخر.

الأسد الذي يدخل سنته العشرين في الحكم، وسنته التاسعة في الحرب، أي أنه قضى نصف سنوات حكمه في الحرب ناراً لاهبة، ونصفها الآخر في الحرب ناراً باردة، لا يعرف من الجغرافيا سوى سوتشي ويبغض اسم جنيف، ومن العد والإحصاء لا يعرف سوى الرقم واحد أو اثنين، أليس هو القائل: الله وسوريا وشعبي وبس.

 وفي إعراب هذا الشعار: الله مبتدأ في بلد علماني طائفي على الطريقة السورية، وسوريا محتلة ومؤجرة ومدمرة، وشعبي، أي شعب الرئيس نازح أو مكلوم أو مقهور، فلا يبقى من الشعار سوى "بس" وبس يعني في العدِّ صفراً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب