آخر تحديث:07:25(بيروت)
الأحد 10/11/2019
share

لبنان كإشتباك أميركي إيراني

حسن فحص | الأحد 10/11/2019
شارك المقال :

لا تتأخر الادارة الامريكية عن تقديم الذرائع التي تسمح لخصومها بالحديث عن تورطها في الكثير من الاحداث التي تشهدها المنطقة، وليس اخرها الانتفاضات المطلبية التي تشهدها الساحتان اللبنانية والعراقية. 

فبعد لجوء الرئيس الامريكي دونالد ترمب الى اعادة نشر الفيديو الذي يصور قيام عدد من الشبان العراقيين وهم يقومون باحراق محيط القنصلية الايرانية في مدينة كربلاء، واعتبار ذلك نوعا من رد الاعتبار بمناسبة مرور 40 عاما على احتلال السفارة الامريكية في طهران، ها هو وزير خارجيته مايك بومبيو يخرج بتصريح يدعو فيه الى ضرورة دعم الانتفاضتين العراقية واللبنانية من اجل تخليص هذين البلدين من النفوذ الايراني. 

يبدو ان الادارة الامريكية من خلال هذه المواقف وهذه التصريحات في سباق مع الوقت باتجاهين، اما انها لم تستطع الاستثمار المباشر للموجة الشعبية للحراك المطلبي في البلدين وهذا فيه كلام خصوصا وان بعض المطالب السياسية التي تخرج من كلا البلدين تخدم الرؤية الامريكية خصوصا ما يتعلق منها بالنفوذ الايراني وحلفاء طهران في الحشد الشعبي وحزب الله، واما انها تريد الدفع بهذه التحركات للخروج من عنوانها المطلبي وتغليب العنوان السياسي بما يضمن بقاء بعض الطبقة السياسية على حساب البعض الاخر، ما يعني انها تساعد على افراغ الشعارات التي تطالب بمحاكمة الانظمة السياسية في هذين البلدين ومسؤوليتها عن الفساد ونهب المال العام وانعدام التنمية الاقتصادية، من اجل الدفاع عن هذه الطبقة والمحافظة عليها وتأمين استمراريتها في السلطة.

الاسراع الامريكي في اعلان مواقف واضحة من الاحداث التي تشهدها الساحتان اللبنانية والعراقية، منحت طهران وحلفاءها في هذين البلدين الغطاء لحسم اتجاهات الموقفين السياسي والامني في التعامل مع الشارع الشعبي في بيروت وبغداد. 

فعلى الرغم من كل التعقيدات التي تعيشها الساحة العراقية، يمكن القول ان طهران بدأت بتحقيق شيء من التقدم الصعب في جهود تفكيك الحراك والتعامل معه، باعتماد الخيار الامني والعسكري، مدعوما بشبكة تفاهمات بين القوى والاحزاب العراقية قادها الجنرال قاسم سليماني مباشرة، وهذه المرة لم تكن بعيدة عن "عين" المرجعية في النجف التي اعلنت عن مخاوفها الجدية من انزلاق الامور الى الفوضى المقصودة التي تستهدف العملية السياسية برمتها، وقد ارتفع منسوب هذا القلق والمخاوف بعد الدعوات التي وجهتها الرياض لعقد مؤتمر حول التطورات العراقية بمشاركة "رغد" ابنة صدام الحسين، الامر الذي اخرج التعامل والتعاطي مع الحراك الشعبي من دائرة المطالب المحقة الى دائرة التعامل معه من منطلق وجود نوايا للاستهداف المباشر للمنظومة السياسية التي ترعاها المرجعية من دون ان تتخلى عن انتقادها ومحاسبتها وتقريعها في بعض الاحيان، وايضا اخرجها من دائرة التفهم للمساعي العربية في تحقيق اختراق داخل ساحة النفوذ الايراني كانت تراه بعض القوى العراقية الشيعية منها مدخلا للحد من التسلط والنفوذ والمصادرة الايرانية، وانتقل بها الى مستوى الخوف من وجود نوايا تمهد الطريق امام اشعال حرب اهلية لن تكون هذه المرة مذهبية، بل تستهدف البيت الشيعي من خلال ادخال اهالي محافظات الفرات الاوسط والجنوب في حرب مع قوات وفصائل الحشد الشعبي. 

المؤشرات التي تكشف عنها تطورات الازمة العراقية في الايام الاخيرة توحي بان طهران استطاعت تثبيت المعادلة السياسية القائمة، من خلال حسم الجدل حول مصير رئاسة الحكومة لصالح استمرار وبقاء عادل عبدالمهدي على رأس مجلس الوزراء، وحصر قرار التغيير في هذا الموقع داخل "البيت الشيعي" الذي يضم كل القوى السياسية والحزبية الشيعية بما فيها فصائل الحشد الشعبي، اضافة الى تكثيف الجهود لتفكيك الحراك الشعبي ومحاصرته من خلال التفريق بين القوى المطالبة بالاصلاح ومحاربة الفساد والنهب ومصادرة الارادة الشعبية، وبين القوى التي تحمل مشروعا سياسيا يستهدف النظام، واخرى تعمل على تصعيد المواجهة لجر البلاد لحرب اهلية، من دون اي اعتبار لآلية تطبيق هذه الجهود. 

في المقابل، فان ما يواجهه حزب الله على الساحة اللبنانية، يبدو في المشهد السياسي اكثر تعقيدا، مع استبعاد اي انزلاق للخيار الامني الذي لا يريده اي من طرفي الازمة. واذا ما كان الحزب والمتحالفون معه يضغطون من اجل تسريع الحسم في موضوع تشكيل الحكومة الجديدة، مع شيء من التمسك بعودة سعد الحريري الى رئاستها على ان تكون ذات طابع "تكنو سياسي"، الا ان هذه الجهود مازالت تصطدم بامتناع الحريري عن السير في هذا الخيار محكوما بالسقف الذي رسمه وزير الخارجية الامريكي واصراره مع بعض القوى على الذهاب الى خيار حكومة "تكنوقراط" خالصة تستبعد مشاركة حزب الله وكل الاحزاب الاخرى وتؤسس مستقبلا لاستبعاد الحزب عن العمل الحكومي.

ومن المحتمل ان يحمل الخطاب المرتقب لامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله يوم الاثنين في 11/11/2019 موقفا اكثر وضوحا من الازمة الحكومية في حال لم يحسم الحريري خياره بالعودة في اطار التفاهم الذي قدمه الحزب والذي قد يتضمن مبادرة منه بعدم مشاركة رئيس التيار الوطني الحر ووزير الخارجية جبران باسيل في التشكيلة الوزارية، خصوصا وان اوساطه تؤكد ان الخيارات امام الحزب وعلى الرغم من تعقيدات المرحلة المقبلة ليست مقفلة، وانه لن يكون في موقع المسؤول او الملام على انهاء التسوية الرئاسية بين الحريري ورئيس الجمهورية. وان اصرار الحريري على رفض العودة الا بشروطه التي يصفها الحزب بانها امريكية ، لن تشكل ضغطا عليه مباشرة تجبره على اتخاذ خطوات متسرعة، الامر الذي يمنحه متسعا من الوقت لرسم استراتيجياته في استيعاب ما يصفه "بالحرب الاقتصادية" التي تمارسها واشنطن على الدولة اللبنانية لاحراج الحزب ثم اخراجه. 

لعل ما يقلق الحزب، وهو قلق لا يصل حد الازمة لديه، هو كيفية استيعاب المرحلة الاولى من الازمة الاقتصادية في حال تم دفع الاوضاع بضغط امريكي حسب اعتقاده الى الانهيار الاقتصادي واحداث ازمة مالية عبر الازمة المصرفية المفتلعة، خصوصا في عملية الحد من تأثيراتها السلبية على بيئته اولا ولبنان ثانيا، ويعتبر ان المرحلة المقبلة هي مرحلة "عض اصابع" وقد ابلغ الاطراف الاخرى، الداخلية والخارجية، انه الاقدر على تحملها وانتظار الخروج منها.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها