آخر تحديث:07:39(بيروت)
الثلاثاء 08/10/2019
share

موسم الطعن بالظهر

مهند الحاج علي | الثلاثاء 08/10/2019
شارك المقال :
موسم الطعن بالظهر
وائل السعود هو العدسة التي علينا إستخدامها لرؤية تطورات الوضع السوري خلال الأيام الماضية، وتحديداً الاتفاق الأميركي-التركي على اتساع رقعة "المنطقة الآمنية". السعود، الطالب السوري النحيل والشاحب ابن التسعة أعوام، وبعد تعرضه للمضايقة والتنمر والتوبيخ في مدرسته، قرر أن يسير باتجاه مقبرة. هناك شنق نفسه للتخلص من واقع لا يُطاق. طبعاً، وضعت الشرطة التركية حالة وائل في سياق "الاستثناءات"، لكنها بالحقيقة رمز لحالة أكثر اتساعاً تبلورت خلال الشهور الماضية مع ازدياد وتيرة المضايقات التركية بحق اللاجئين السوريين، وعلى رأسها عمليات الترحيل إلى "المناطق المحررة".

وحالة السعود أيضاً نموذج عمّا سيأتي من وبال على اللاجئين السوريين نتيجة السياسة التركية. ذلك أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وضع نصب عينيه مهمة اعادة اللاجئين السوريين المقيمين في بلاده، إلى "المنطقة الآمنة"، دون أن يشرح كيفية تنفيذ هذه المهمة، رغم أن مخيلتنا وتاريخنا الجمعي يُسعفانا في تخيل هذه العملية. وعلينا أن نسأل عمّا إذا كانت عمليات الترحيل التركية لآلاف السوريين، "مناورة" تدريبية لما سيأتي لاحقاً بعد إنشاء المنطقة المرجوة.

أردوغان أعلن على الملأ عزم تركيا توطين مليوني شخص في "المنطقة الآمنة" غير المُحددة الى الآن، لكن يُفترض أن تمتد شرقاً من نهر الفرات في سوريا إلى الحدود العراقية. 

وهنا نلحظ تبدلاً كبيراً في خطاب الرئيس التركي، إذ بات أقرب إلى وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في توصيف أثر اللجوء على الداخل اللبناني. تركيا، وفقاً لأردوغان، لم يعد بمقدورها الانتظار ولو ليوم واحد، لإقامة المنطقة الآمنة ومن ثم اعادة اللاجئين السوريين. 

تماماً مثل باسيل، يتحدث الرئيس التركي عن "التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" الناجمة عن وجود 3 ملايين و650 ألف لاجئ سوري في بلاده. ذلك أن "الضيوف السوريين في بلادنا لديهم بيوت ووطن، وواجبنا تأمين الأجواء الآمنة لهم في بلادهم، ووجهنا في هذا الخصوص نداءات عدة للمجتمع الدولي … لا نفكر في مواصلة استضافة ملايين اللاجئين في أراضينا إلى الأبد".

ويتحدث أردوغان عن نقل ملايين البشر وكأنها نُزهة في الحديقة العامة. حتى وصل المطاف بالرئيس التركي إلى اعلان نواياه أمام الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إذ ادعى بأنه "في حال مد عمق المنطقة الآمنة إلى خط دير الزور- الرقة، بوسعنا رفع عدد السوريين الذي سيعودون من بلادنا وأوروبا وبقية أرجاء العالم إلى 3 ملايين". 

وعلينا أن نقلق بشكل اضافي تحديداً لأن لتركيا تاريخاً طويلاً في عمليات النقل والتطهير السكاني شملت الإبادة الأرمنية وتهجير مئات آلاف اليونانيين من مناطق في تركيا الحديثة والشطر المحتل من قبرص. عمليات الهندسة السكانية اعترتها آلام لا متناهية لشعوب المنطقة، وأن يستسهل أردوغان مخاطبة المجتمع الدولي من منبر الأمم المتحدة في شأن نقل ملايين السوريين، دليل إضافي على انهيار المنظومة القيمية في هذا العالم. 

المصدر الآخر للقلق هو أن تركيا توسّع رقعتها في الشمال السوري على ظهر تفاهمات وقمم مع روسيا وإيران، وهما احتلالان آخران لأجزاء لا يُستهان بها من سوريا.

بالأمس، طعن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حلفاءه الأكراد في الظهر بإعلان انسحاب قواته من مناطق خاضعة لسيطرتهم. وقريباً جداً سيطعن أردوغان مئات آلاف السوريين في الظهر، وينقلهم جماعياً إلى الداخل السوري، ربما باستثناء المحظيين والمصفقين. 

هو موسم الطعن بالظهر في نفق مسدود يزداد ظُلمة، يدفع الصغار قبل الكبار الى اليأس.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب