آخر تحديث:06:49(بيروت)
الأحد 06/10/2019
share

ايران تفاوض حول العقوبات على لبنان؟

حسن فحص | الأحد 06/10/2019
شارك المقال :
ايران تفاوض حول العقوبات على لبنان؟ Getty©

قد يكون من الممكن القول ان ايران استطاعت، ان كان على مستوى القيادة العليا للنظام والثورة المتمثلة بالمرشد الاعلى والمؤسسة العسكرية لحرس الثورة ، وان كان على مستوى الادارة السياسية للدولة المتمثلة برئيس الجمهورية وفريقه الدبلوماسي، استطاعت ان تقود الازمة مع الولايات المتحدة الاميركية بعد قرارها الانسحاب من الاتفاق النووي واعادة فرض عقوبات اقتصادية خانقة ومشددة، بالكثير من الحنكة والدهاء السياسي والاقتصادي، مكنها من استيعاب التصعيد الاميركي والحصار العسكري والاقتصادي المحكم، الى حد تحويل الاجراءات الاميركية الى مصدر احراج لادارة الرئيس دونالد ترامب كونها لم تجبر ايران على الاستسلام ورفع الراية البيضاء والجلوس الى طاولة المفاوضات تحت مظلة الشروط الاميركية المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي. 

فالنظام الايراني لم يتردد بالاعتراف بالاثار المخربة والمهددة للعقوبات الاقتصادية على استقراره، اضافة الى انعكاساتها السلبية على الشرائح الشعبية المتوسطة والفقيرة، وتراجع قدرات الحكومة على توفير المصادر المالية المخصصة لسد احتياجات السوق الايراني من المواد الاساسية وما يستتبعه ذلك من ارتفاع في مستويات البطالة والتضخم وتراجع القدرات الشرائية للمواطنين، وهو ما دفع رئيس دبلوماسيتها محمد جواد ظريف الى استخدام مصطلح "الارهاب الاقتصادي" لوصف العقوبات الاميركية ضد بلاده. 

في المقابل، فان النظام الايراني، لم يسقط من مواقفه استعداده للتفاوض المباشر مع الادارة الاميركية، بعد ان نفى عنها صفة "الحرمة" حسب تعبير رئيس البرلمان علي لاريجاني مؤخرا، الا انه – اي النظام-  اشترط لهذه المفاوضات منذ البداية الغاء جميع العقوبات التي فرضتها ادارة ترامب والعودة الى الاتفاق النووي وطاولة الحوار في اطار مجموعة 5+1 المنبثقة عنه. ورفض كل مطالب ترامب التي وضع في مقدمتها ابقاء هاتفه في حالة الجهوزية لتلقي اتصال من نظيره روحاني. بالتزامن مع تأكيد روحاني استعداده للذهاب حتى النهاية، في اشارة الى امكانية عقد لقاء مع ترامب، اذا ما قامت واشنطن برفع العقوبات والعودة الى الاتفاق النووي.

ما تشهده الازمة بين واشنطن وطهران، خصوصا في ما يتعلق بمسار تصاعد العقوبات الاقتصادية التي يلجأ اليها ترامب بين فترة واخرى، تظهر وجود علاقة طردية بين الرفض الايراني لابداء اي ليونة في التعامل مع رغبات الرئيس وبين فرض عقوبات جديدة، ولعل ما حصل على هامش الجمعية العمومية للامم المتحدة في نيويورك يشكل مؤشرا يؤكد هذه العلاقة الطردية. فامام رغبة ترامب في تحقيق اختراق في التواصل مع روحاني قبل اي موقف يعلن فيه الغاء العقوبات ضد ايران، ولجوئه الى الاختباء وراء الوساطة الفرنسية والرئيس ايمانويل ماكرون في محاولة لاجراء تواصل هاتفي، والموقف الرافض وعدم التجاوب مع المبادرة الفرنسية من قبل روحاني كانت الدافع الاساس لقيام ترامب بفرض الحزمة الاخيرة من العقوبات. 

لكن الابرز في مسار العقوبات الاميركية، انها لا تقتصر على النظام الايراني، بل تطال اطرافا اقليمية تدور في الفلك الايراني او تنتمي الى "محور الممانعة"، ولعل اشدها واكثرها قسوة تلك التي يتعرض لها لبنان انطلاقا من العلاقة الملتبسة بين حزب الله والدولة اللبنانية، ما جعل الاقتصاد اللبناني امام تحدي الاستمرار او الانهيار نتيجة التداخل القائم وضيق المساحة الفاصلة بين ما هو مصالح خالصة لحزب الله ومصالح عامة للدولة اللبنانية. وهي عقوبات يعترف حزب الله انها تفرض من جانب واشنطن بسبب انتمائه الى المحور الايراني في المنطقة وما يعلنه من عداء للمصالح الاميركية والاسرائيلية، اضافة الى ما تتهمه به واشنطن من مصادرة الدولة اللبنانية ومصالحها السياسية والاقتصادية لحساب توسيع نفوذه وسيطرته. 

غالبية الاطراف اللبنانية بما فيها حزب الله ترى ان الخروج من مأزق العقوبات الاميركية التي تستهدف ما تبقى من الاقتصاد اللبناني المنهك بسوء الادارة والفساد والمحاصصة، يمر من بوابة الحل والحوار بين واشنطن وطهران، في اطار التفاهم على سلة من الملفات يأتي في مقدمها ملف النفوذ الايراني الاقليمي الذي تندرج الازمة اللبنانية في اطاره وتحت عنوانه، الا ان المسار الذي تسلكه العلاقة المتوترة بين طهران وواشنطن خصوصا في ملفي البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي، لا تكشف عن وجود نية ايرانية في توسيع دائرة التفاوض مع واشنطن حول هذه الملفات، اذ ان المطالب الايراني التي تشكل شروطا على اي حوار وتفاوض تتركز حول العودة الاميركية الى الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الادارة الاميركية، ما يعني ان التفاوض حول الملفات الاخرى "النفوذ الاقليمي والصاروخي" هي بحكم المؤجلة الى مرحلة قد تكون بعيدة وترتكز على ما يتحقق من نتائج ايجابية في الحوار حول الملف النووي في اطار لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق النووي بين ايران ومجموعة دول 5+1. 

المفاوض الايراني، وفي خطوة يريد منها ان تكون لمرة واحدة وحاسمة ونهائية، رفع سقف شروطه على اي مفاوضات مباشرة مع واشنطن وتحديدا ادارة الرئيس ترامب، عندما تحدث عن شرط الغاء العقوبات بقرار يصدر عن الكونغرس الاميركي، اي ان ما تطمح له طهران هو الحصول من واشنطن على قرار ينهي بشكل تام وكامل جميع انواع العقوبات، بما يتجاوز العقوبات التي فرضت تحت عنوان البرنامج النووي لتطال ايضا تلك التي فرضت تحت عنوان دعم الارهاب وحقوق الانسان، اي " تصفير العقوبات"  الاميركية والدولية ضد النظام الايراني دفعة واحدة مقابل ان تبدأ مسارا جديدا من التفاوض يشمل البرنامج الصاروخي بما يضمن عدم تطويره واعادة ترتيب نفوذها الاقليمي وفتح باب التعاون في الملفات السورية واليمنية والعراقية واللبنانية والمساعدة في التوصل الى حل للقضية الفلسطينية. 

لكن السؤال الابرز في هذا السياق يدور حول مصير العقوبات الاميركية التي بدأت تستهدف الاقتصاد اللبناني الى جانب العقوبات التي تستهدف افرادا وكيانات اقتصادية تابعة او قريبة من حزب الله، فهل سيضع الحليف الايراني هذه العقوبات على طاولة المفاوضات، وهل سيطلب من الادارة الاميركية والعواصم الاوروبية التي وضعت الحزب على لائحة المنظمات الارهابية وفرضت عليه عقوبات اقتصادية، الغاء هذه القرارات؟ وهل ستتجاوب هذه الدول مع هذا المطلب في حال تم طرحه وتغض الطرف عن المخاوف الاسرائيلية التي تعتقد ان اي تقدم في التفاوض والتفاهم بين واشنطن والعواصم الاوروبية وبين طهران والمحور الذي تقوده سيكون على حساب مصالحها وامنها في حال لم تحصل على ضمانات واضحة وصريحة. 

قد ينجح الايراني في التوصل الى نقطة وسط مع الادارة الاميركية تحقق له ما يريده في ما يتعلق بالعقوبات المفروضة عليه، مقابل فتح باب الحوار حول النفوذ الاقليمي والملفات الاخرى، الا ان ذلك يعني بان العقوبات على لبنان وحزب الله وحلفاء ايران ستستمر الى حين التوصل الى تفاهم قد يطول عليه الزمن، ما يعني امكانية ان يبقى سيف العقوبات الاميركية قائما فوق رقبة الدولة والاقتصاد اللبناني حتى ذلك التاريخ.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها