آخر تحديث:17:18(بيروت)
الأربعاء 30/10/2019
share

أمثولات لبنانية للروس وسواهم

بسام مقداد | الأربعاء 30/10/2019
شارك المقال :
أمثولات لبنانية للروس وسواهم
في تعليق على مقالة للصحيفة الروسية الليبرالية المعارضة "Novaya" عن الإنتفاضة اللبنانية ، دار حوار لافت بين عدد من قراء المقالة ، يعبر عن الحال الراهنة للروس في ظل الحكم القائم ، وعن تأييدهم للإنتفاضة وإعجابهم بها . يدور الحوار بين ثلاثة أشخاص ، قد تكون أسماؤهم مستعارة بالطبع :

سيمون تلسكوبوف : وماذا ، هل تريدون كما في لبنان ؟

سبياليست : نريد كثيراَ ! لكن الروس لن يتمكنوا من ذلك ، لأن عقولهم ملوثة بالدعاية الرسمية حول "القائد العظيم والحكيم" من جهة ، ولأن مسؤولي الأمن يرعبونهم ، من جهة أخرى . وهم في الواقع على شيئ من الجبن ،  يستطيعون "التمسح" و"الإنحناء" إلى ما لا نهاية . 

أندريه دوبروفسكي : حتى في دول الشرق الأوسط يناضل الناس من أجل الحرية . كم أنا آسف أن روسيا ليست لبنان !

حين انطلقت الإنتفاضة في 17 من الشهر الجاري وصفتها صحيفة الكرملين "vz" بأنها صراع جديد يندلع في الشرق الأوسط ، ويهدد مصالح روسيا ، لكونه على الحدود مع سوريا ، ويمكن أن يتطور إلى حرب بين الطوائف تطيح بالسلام الهش في سوريا . وعلق أحد قراء الصحيفة على المقالة بتساؤله ما إن كان على روسيا التدخل في الوضع ، و"ما هي هذه الضرورة لأن نكون سدادة لكل ثقب ؟ " . رد عليه آخر بقوله: ليس في كل ثقب ، لكن "سيتعين علينا التدخل في هذا" الثقب ، أي لبنان. 

لكن الإنتفاضة "الثقب" تطورت على نحو مغاير لتوقعات الصحيفة ، وتميزت بتشابك أيدي أبناء جميع طوائف لبنان في سلسلة محبة من شماله إلى جنوبه ، وبعقد حلقات الرقص والغناء في ساحات مدنه ، مما جعل بعض الكتاب السياسيين الروس يرى في الإنتفاضة اللبنانية " إحتجاجاً من طراز جديد" . فقد نقل موقع "rosbalt" الإخباري الروسي عن الخبير في شؤون الشرق الأوسط ميخائيل مجيد قوله في مقابلة معه ، بأن المظاهرات الحاشدة في لبنان وحدت الناس لأول مرة بما يتخطى الحواجز الدينية والسياسية . وفي حديثه للموقع يجمع هذا الخبير دائماً بين العراق ولبنان ، ويقول أن الإحتجاجات اللبنانية ليست موجهة ضد حكومة بعينها ، بل ضد النظام ككل ، ضد الطبقة السياسية ، التي نهبت البلد . ويرى بأن الأحزاب السياسية وقيادات الطوائف ، التي ترتبط بها هذه الأحزاب ، اعتبرت بأن مجرد مشاركتها في الحكومة تعني بأن الناس سوف يجلسون في بيوتهم صاغرين يتفرجون على الزعماء كيف يراكمون ثرواتهم . لكن ما حدث هو العكس تماماً ، فقد فقدت جميع الأحزاب الثقة بها ، ووقفت قيادات الطوائف ضد هذه الأحزاب أيضاً ، ونشأت أزمة سياسية عميقة تطال النظام بأسره ، على قوله . 

ويقول مجيد ، أن الإحتجاجات في العراق ولبنان ، هي إحتجاجات لا حزبية ولا قيادات لها ، بل جرى تنظيمها عبر شبكات التواصل الإجتماعي ، على يد جيل شبابي جديد نشأ في هذه الشبكات بالذات . وهي حركات ليست قومية ولا طائفية ولا إنفصالية ، بل هي تنشط متخطية جميع الحواجز وتوحد الناس من مختلف الطوائف والأعراق الإثنية . لكنه يقول ، بأنه من المبكر القول بأنها مرحلة جديدة من الربيع العربي تنفي دور الأحزاب، وتحركها المطالب الإجتماعية أكثر من السياسية ، مرحلة الوحدة بدل الإنقسام إلى مسيحيين ومسلمين ، سنة وشيعة . ويرى أن البرلمانية في الشرق الأوسط فشلت في وضع السلطة في الموقع الصحيح ، بل لا بد من منظومة جديدة ، من حل آخر لا يزال المحتجون يجهلونه حتى الآن ، لكن "الفكر لا يتوقف في مكانه أبداً " ، على قوله . 

     من جهة أخرى ، نظمت وكالة "روسيا اليوم" في 24 من الشهر الجاري طاولة مستديرة حول الوضع في لبنان شارك فيها ثلاثة خبراء في شؤون لبنان والمنطقة . يقول أحد المشاركين فيها ، الباحث في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع لمعهد الإستشراق ألكسي سارابيف ، أن الإحتجاجات في لبنان قد غيرت الفهم الروسي السابق لمصطلح "الربيع العربي" ، وهو ما يمكن اعتباره الأمثولة الأخرى ، غير طلب الحرية ،  من الأمثولات اللبنانية للروس . يقول سارابيف أن ما يجري في لبنان من احتجاجات ليس صدى للربيع العربي في فهمه الروسي بأنه مؤامرات وتدخل من قوى خارجية في الوضع القائم في هذا البلد العربي أوذاك ، بغية نشر الفوضى وتبديل الواقع السياسي لصالح القوى الخارجية تلك ، بل هو حركة احتجاجات إجتماعية فعلية ضد الفساد المستشري في السلطة اللبنانية ، وليس نتيجة مؤامرات وتدخل قوى خارجية ما . 

ويتوقف سارابيف عند علاقة الإحتجاجات بالطوائف والأحزاب السياسية اللبنانية ، ويقول بأنه لم يُلاحظ حتى الآن أية خلفية سياسية أو طائفية للإحتجاجات ، ولم تُرفع أية راية حزبية أو دينية .  ويقول بأن أحزاباً عديدة لم تتمكن في بداية الإحتجاجات من تحديد موقفها إلى أي جانب تنحاز ، مما يشير إلى أن الإحتجاجات هي فعلاً مطالب مواطنين يمكن أن تلبيها الحكومة ، وليست عملية سياسية حركتها هذه القوة السياسية أو تلك .
 

الميزة الأخرى للإحتجاجات ، التي تميزها عن سواها من حركات الإحتجاج المشتعلة الآن في عشرات المدن في العالم ، من أقاصي آسيا حتى أقاصي أميركا اللاتينية ، والتي يمكن اعتبارها أمثولة أخرى من الأمثولات اللبنانية ، ليس للروس فقط بل ولسواهم أيضاً ، هي غياب العلاقة السلبية مع الجيش والقوى الأمنية . ويقارن سارابيف الإحتجاجات اللبنانية بحركة السترات الصفراء في فرنسا ، ويقول بأن المحتجين في فرنسا كانوا ينظرون إلى الجيش والقوى الأمنية كجزء من آلة الدولة ، في حين أن المحتجين اللبنانيين يعتبرون هذه القوى جزءاً من المجتمع .  وهذه "إيجابية كبرى" ، برأيه ، تشجع على الأمل بعدم تطور الإحتجاجات إلى صدام مع العسكريين ، كما حدث فرنسا وسواها . 

أما موقع "realist" الروسي ، فينقل عن الخبيرة في شؤون الدياسبرا الروسية تاتيانا بولوسكوفا تفردها في اعتبار الإحتجاجات اللبنانية "ثأراً من روسيا من أجل سوريا" . وتقول بولوسكوفا هذه ، أن أي اختلال في التوازن الداخلي في لبنان ، الذي عاش حرباً مدمرة منذ مدة غير بعيدة ، يمكن أن يؤدي إلى تحولات زلزالية في المنطقة ليست في صالح روسيا ، المعني الأول بالهدوء في لبنان . 

وفي مقابلة بعنوان "وصفة للثورة" مع إذاعة "الحرة" الناطقة بالروسية ، تضع الإختصاصية في شؤون أميركا اللاتينية تاتيانا فاراجيكينا ، الإنتفاضة اللبنانية في سياق الإحتجاجات والإنتفاضات ، التي تعم العالم الآن من هونغ كونغ حتى سانتياغو في التشيلي ، وتعيد الأسباب المختلفة  لتفجر كل هذا الحركات إلى سبب وحيد هو الكرامة الإنسانية. وتوجز هذه السيدة مقابلتها المطولة مع الإذاعة حول جميع الحركات الإحتجاجية بسوق نص لمنشور وزعه المحتجون في تشيلي ، الذين انتفضوا بسبب رفع أجور النقل في المترو ، يقولون فيه "هذا ليس من أجل المترو . هذا من أجل الصحة ، من أجل التعليم ، من أجل ... من أجل كرامة المجتمع" . وتتساءل فاراجيكينا ما إن كان يمكن إرجاع سبب ثورة 1917 الروسية إلى عدد من الطوابير على الخبز في  بتروغراد في حينها . 

أجل ، الإحتجاجات ليست بسبب الواتس أب أو أجور المترو ، او سواها ، بل هي كرامة الإنسان ، التي تداس في التعليم والصحة والأجور والسكن ، وفي كل مجالات الحياة . والكرامة هي الكلمة ، التي تتردد الآن على لسان المنضوين تحت راية الثورة اللبنانية ، التي يتلقف أمثولات جمالها وإبداعاتها الروس وسواهم في العالم .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب