آخر تحديث:20:54(بيروت)
الخميس 03/10/2019
share

العدالة لخاشقجي خارج السياسة

عائشة كربات | الخميس 03/10/2019
شارك المقال :
العدالة لخاشقجي خارج السياسة Getty ©
هناك الكثير من الأمور المجهولة، أو بالأحرى لم يتم الإفصاح عن الكثير من القضايا عندما يتعلق الأمر بمقتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. ولكن هناك أمراً واحداً واضح للغاية؛ أصبحت الجريمة مجرد أداة للسياسة الدولية أكثر من كونها موضوعاً للعدالة.
ليس هناك شك في أنه لو لم تتبع تركيا موقفها العنيد بشأن الاغتيال، فإن الشيء الوحيد الذي كنا سنعرفه اليوم هو مجرد اختفاء خاشقجي. سيكون هناك تكهنات ونظريات مؤامرة حول اختفائه، ولكن لا توجد حقائق.
ومع ذلك، ما زلنا لا نعرف بالضبط متى كانت السلطات التركية متأكدة من مقتل خاشقجي بوحشية في مبنى القنصلية.
يكاد يكون واضحاً أن تركيا قامت بالتنصت على القنصلية وهذا هو السبب في أنه كان من الممكن تسجيل عملية القتل عندما كانت تحدث. لم يتم نشر هذه التسجيلات على الملأ أبداً، لكن بعض المؤسسات والأشخاص تمكنوا من الوصول إليها بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية الأميركية. ومع ذلك، فإن تخميني هو أن السلطات التركية ربما سجلت المحادثات في القنصلية لكنها لم تستمع إلى المحادثات وتقوم بتقييمها في الوقت نفسه.
ما نعرفه هو أنه في يوم الجريمة عندما علمت السلطات التركية أن خاشقجي لم يخرج من مبنى القنصلية، كانت الساعة تشير إلى الخامسة بعد الظهر. لكننا لا نعرف متى استمعوا إلى التسجيلات لمعرفة أنه قُتل؟. إذا أخذنا البيروقراطية التركية بعين الاعتبار، فقد يستغرق الأمر بعض الوقت، لكن هل كان ذلك قبل الساعة العاشرة ليلاً؟ متى غادرت طائرة المجموعة الثانية من القتلة إسطنبول؟.
ولكن لنفترض أن السلطات التركية عرفت جريمة القتل في ذلك الوقت. هل سيكون بمقدورها إيقاف الطائرة الدبلوماسية؟ ماذا سيحدث بعد ذلك لجميع الأتراك في السعودية؟ هذه أسئلة افتراضية ويصعب للغاية على صانعي القرار الإجابة عنها.
لكن ما نعرفه بعد ذلك هو أن تركيا أصرّت على ذلك وبواسطة حملة إعلامية ناجحة للغاية سرّبت المعلومات التي منعت جميع محاولات التستر وأجبرت السعوديين على تغيير الرواية من "خاشقجي غادر المبنى" إلى "فعلنا ذلك".. ولكن في الوقت نفسه، كانت أنقرة حريصة جداً على وضع هذه الجريمة بين قوسين في الجملة الطويلة من العلاقات بين أنقرة والرياض. كانت حريصة للغاية على إظهار الاحترام الواجب للملك سلمان مع القول مراراً وتكراراً إن ولي العهد محمد بن سلمان يقف وراء الجريمة.
بسبب الموقف التركي المنسق بعناية، ليس هناك شك في أن صورة ولي العهد السعودي تحولت من الإصلاحي إلى القاتل، على الرغم من أن العالم فشل في معاقبته وقال فقط "لا تفعل ذلك مرة أخرى"، من أجل أسعار النفط وكميات الأسلحة الهائلة التي تشتريها السعودية.
العلاقات الثنائية بين أنقرة والرياض منذ جريمة القتل تتدهور لكنها لم تتوقف كما توقع بعض الخبراء.
السلطات السعودية دعت مواطنيها إلى توخي الحذر أثناء شراء العقارات في تركيا، لكن هذه الجهود لم تنجح؛ لا يزالون في المرتبة الثانية بشراء العقارات بعد العراقيين. على الرغم من الدعاية، فإن عدد السياح السعوديين لم ينخفض كثيراً أيضاً. كانت هناك دعوات لمقاطعة المنتجات التركية، لكن الصادرات التركية انخفضت من 2.7 مليار دولار إلى 2.6 مليار فقط في العام الماضي.
لم تتقدم أنقرة بطلب إلى الأمم المتحدة لإنشاء محكمة دولية بشأن القضية لأنها ستعني دعوة للولاية القانونية لهيئة دولية وهذا سيكون ضد السيادة التركية. حسناً، استخدمت القضية لإظهار نفاق العالم الغربي لكنها لم تتخلَ عن جهودها المخلصة للضغط من أجل العدالة في الساحة الدولية.
قبل خاشقجي، كانت هناك خلافات بين أنقرة والرياض. على سبيل المثال، لن تتخلى تركيا مطلقاً عن علاقاتها مع قطر من أجل الرياض ولن تنضم إلى المعسكر المناهض لإيران بقيادة السعودية. تتناقض الدولتان في طموحاتهما بالنسبة لأفريقيا، ومع ذلك قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً إنه تحدث مع العديد من قادة الدول بما في ذلك السعودية لجمع أموال من أجل بناء مساكن جديدة للاجئين السوريين في منطقة آمنة تسعى تركيا إلى تأسيسها؛ لكن هذا التوقع لم يمنعه من كتابة مقال في واشنطن بوست في ذكرى مقتل خاشقجي. 
هذا يعني أن قضية خاشقجي ستبقى بين قوسين في العلاقات التركية السعودية، لكن يمكننا أن نقول أيضاً إن تركيا ستحافظ على سياستها الهادئة والواقعية بشأن القضية مع العلم أن الجميع شاهدوا الجريمة لكنهم غير متحمسين للإدلاء بشهادتهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عائشة كربات

عائشة كربات

كاتبة وصحافية تركية