آخر تحديث:06:57(بيروت)
الأحد 20/10/2019
share

روحاني بين التنصت والصلاحيات

حسن فحص | الأحد 20/10/2019
شارك المقال :

ثلاث قضايا اثارها الرئيس الايراني حسن روحاني وشقيقه حسين فريدون امام الرأي العام الايراني في تحد واضح للمواقف الحاسمة للسلطة وقيادتها والاجهزة الامنية بحيث تعيد الى الذاكرة احدى المراحل التي مر بها سلفه الاسبق الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي. 

القضية الاولى تدور حول عودة حسن روحاني للحديث عن موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية من خلال طرح مسألة مزمنة في التعاطي مع موقع الرئاسة، وهل يمثل منصب الرئاسة في الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في 29 و30 أذار/مارس 1979، موقعا شرفيا من دون قدرة على الحكم، خصوصا قبل التعديلات التي جرت على الدستور في يوليو 1989، وهو نقاش وجدل ساد الاوساط السياسية الايرانية منذ شغل هذا الموقع الرئيس الاول للجمهورية بعد انتصار الثورة ابو الحسن بني صدر الذي دخل حينها في صراع مع مراكز القرار حول هذه الصلاحيات في وقت كان النظام قد بدأ ببلورة هويته السياسية القائمة والمبنية على محورية زعيم الثورة وموقع ولي الفقيه الذي أُقر كأصل. 

وعلى الرغم من وصف الدستور الايراني موقع رئاسة الجمهورية بانه الحارس على تنفيذ الدستور واجراء القانون وادارة السلطة التنفيذية، الا ان الدستور نفسه لم يعط  الرئيس الموقع الاول في هرمية السلطة والادارة، بل وضع فوقه سلطة المرشد الذي بات يتمتع بسلطة مطلقة في التعديل الدستوري لسنة 1989، بحيث ان الرئيس لا يملك صلاحية اتخاذ القرار الاستراتيجية الداخلية او الخارجية التي تقع حصرا في دائرة صلاحيات المرشد، فضلا عن قدرة المرشد على الغاء اي قرار يصدر عن رئيس الجمهورية او يعطل اي قانون يقره المجلس النيابي. 

صراع على الصلاحيات لم يغب يوما عن ساحة الصراع الداخلي الايراني، واذا ما كان في زمن المؤسس الامام الخميني قد تراجع بسبب "كاريزما" المؤسس على حساب رئيس الجمهورية حينها السيد علي خامنئي، فانها طفت على الواجهة منذ تولي الشيخ هاشمي رفسنجاني الرئاسة في ظل مبايعة خامنئي مرشدا ووليا للفقيه، ثم اخذت في عهد الرئيس محمد خاتمي طابعا صراعيا بعد ان اخرج خاتمي الحديث عن صلاحيات الرئيس من الكواليس وحوله الى جدل يومي قبل ان يضطر للتراجع عنه تحت ضغط الهجوم الكاسح للتيار المحافظ والذي دفع اثمانه لاحقا من خلال العزل ومحاولة التهميش والمحاصرة. 

عودة روحاني للحديث عن صلاحيات الرئيس الدستورية وضرورة ادخال تعديلات عليها، قد يكون الهدف منها ايصال رسالة الى الشارع الشعبي المؤيد والمعارض بان صلاحياته الحالية وعلى الرغم من الانجازات السياسية التي حققها في مختلف المستويات الداخلية والخارجية لا تصل لتلك التي تمتع بها سلفه محمود احمدي نجاد والذي وظفها للتخريب وليس للبناء. وهي رسالة قد تحمل على مشارف انتهاء السنة الثانية من ولايته الثانية، محاولة لتبرئة نفسه من عجز الحكومة تنفيذ الوعود التي اطلقتها على مدى السنوات الماضية. ما يعني القاء اللوم على الجهات التي سلبت الرئيس بما يمثله من موقع تنفيذي واداري القدرة على تحقيق وعوده بسبب العراقيل التي كانت تضعها امامه في وقت يفتقر فيه لصلاحيات دستورية تساعده على المواجهة. 

القضية الثانية التي تكررت اشارات روحاني لها في الاونة الاخيرة، خصوصا بعد  ظهور ملامح لامكانية فتح مسار تفاوضي مباشر مع الادارة الاميركية حول ازمة الاتفاق النووي والعقوبات بناء على جملة من الوساطات الدولية والاقليمية بين الطرفين، هي قضية الاستفتاء في المسائل الاستراتيجية، ان كان على المستوى السياسات الداخلية او على مستوى السياسات الخارجية، وقد اقترب في مواقفه الاخيرة الى نقطة اكثر وضوحا عندما يتحدث عن ضرورة العودة الى الشعب واستفتائه اذا ما وصلت الامور صعوبات في ايجاد الحلول واصطدم الجميع بحائط مسدود، 

فروحاني ذهب الى تشخيص الازمة بالحديث عن صراعات مزمنة مستمرة منذ 40 سنة بين جناحي السلطة في ايران حول القرارات المصيرية، مشيرا ان الاستفتاء وصندوق الانتخاب هو الطريقة الافضل لحل المسائل العالقة منذ اربعة عقود بعد فشل كل اساليب الحل التي قدمت، وان هذا الاستفتاء هو الطريقة الانسب لكسر التطرف والتأسيس للاصلاح الاجتماعي والتأكيد على الكفاءة وتمكين آراء الشعب المحقة. وهنا وضع روحاني قضية التوافق والتعامل مع المجتمع الدولي وتقدم البلاد في ميزان المواقف المتصارعة داخليا حول اصل المواجهة او التعامل مع العالم، وبالتالي وبسبب وصول الامور الى طريق مسدود وابتعاد امكانية الحل من خلال الحوار والصبر، فان الحل يكمن بالعودة الى صندوق الاصوات ورأي الشعب بالاستفتاء.

عودة روحاني لطرح موضوع الاستفتاء، يضع المرشد الاعلى في دائرة الاحراج، خاصة وان مثل هذا القرار يقع في صلب صلاحيات المرشد الذي يملك سلطة السماح بالذهاب الى تطبيق هذا المبدأ الدستوري الذي اخذ بعين الاعتبار حصول ازمات في ادارة البلاد واتخاذ القرارات المصيرية. ولعل المثال الابرز في هذا الاطار، ما حدث عام 1989 وبعد موافقة المؤسس على اجراء استفتاء حول الغاء منصب رئيس الوزراء وتوزيع سلطاته بما فيها تعزيز موقع رئيس الجمهورية.  

القضية الثالثة تدور حول ما كشفه حسين فريدون شقيق الرئيس روحاني قبل التحاقه بسجن ايفين لتنفيذ حكم بالسجن لمدة خمس سنوات الصادر بحقه في قضية تلقيه رشى مستغلا موقعه كمساعد خاص للرئيس، التي تحدث فيها عن وجود "تنصت" على مكتب الرئيس من قبل الاجهزة الامنية خاصة جهازي وزارة الاستخبارات ومخابرات حرس الثورة، وان الحكم الصادر بحقه وتفاصيل التحقيقات معه جاءا بناء على مضمون هذا التنصت. 

فضيحة قد تكون بحجم الفضيحة التي طالت وزارة الاستخبارات ايام رئاسة محمد خاتمي في قضية عرفت حينها بمسلسل الاغتيالات التي طالت مجموعة من المثقفين والمفكرين والسياسيين الليبراليين، والتي اصر فيها خاتمي في بداية رئاسته على الذهاب الى نهاياتها التي ادت الى تحجيم دور جهاز المخابرات ومحاسبة المرتكبين والزج بهم في السجن في سابقة احرجت النظام واركانه لما في ذلك من اتهام له غير مباشر بالوقوف وراء هذه الاغتيالات ومحاولة اسكات الاصوات التي تختلف معه من منطلقات متعددة. 

ولعل اشارة حسين فريدون الذي ينفذ حكم السجن، بان عملية التنصب تعتبر عملا غير اخلاقي وغير شرعي وغير قانوني، وان كونه "شقيق الرئيس" كاف لتوجيه التهمة له، فانه يطرح مسألة اخلاقية وسياسية ابعد من مسألة سجنه بتهمة الرشوة، وهي تتعلق بانعدام الثقة لدى الاجهزة الامنية والنظام برئيس السلطة التنفيذية والجمهورية الذي يقود سفينة العلاقات الدولية لايران وادارة الدولة واقتصاد البلاد، وهي ازمة ثقة متجذرة لا تقتصر على روحاني وفريقه، بل رافقت آليات الحكم في ايران منذ ثلاثة عقود مضت. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها