آخر تحديث:08:22(بيروت)
الخميس 10/01/2019
share

لماذا انتصرت "تحرير الشام"؟

إياد الجعفري | الخميس 10/01/2019
شارك المقال :
  • 0

لماذا انتصرت "تحرير الشام"؟

بدت أقلام الكثيرين من النشطاء المعارضين، منفصلة عن الواقع، في انحيازها ضد "هيئة تحرير الشام" في معركتها الأخيرة التي صفّت خلالها فصيلاً جديداً، مُحتسباً على الحراك الثوري المسلح. وإذا كانت خلفيات هذا الانحياز مفهومة، إلا أن نتائجه قد تجعل جانباً كبيراً من النخبة السورية المعارضة، عاجزاً عن التأثير ومنفصلاً عن الرأي العام الشعبي، في آخر معاقل الحواضن الثائرة، في إدلب والأرياف المتاخمة لها.


يمكن عبر الحديث إلى نشطاء يعيشون في مناطق سيطرة "تحرير الشام" أن نفهم جوانب لا يتم التطرق لها في كتابات النخب المعارضة المناوئة لـ "تحرير الشام". فتلك النخب ترى في الهيئة وجهاً آخر لاستبداد يمقتونه في نظام الأسد، وهو السبب الرئيس في ثورتهم عليه. لكن، على أرض الواقع، لا يرى الجمهور الذي يعيش تحت سيطرة "تحرير الشام" الأمر، من هذه الزاوية. وإذا حاولنا التقصي عن رأي الجمهور في تلك المناطق، نكتشف أنه أكثر واقعية، وموضوعية أيضاً، من النخب التي يكتب الكثير منها من منافٍ بعيدة عن الحدود السورية.


كي نفهم كيف ينظر هذا الجمهور لـ "تحرير الشام"، علينا أن نبحث عن إجابة للسؤال التالي: لماذا تخرج هيئة "تحرير الشام"، (باختلاف مسمياتها السابقة)، منتصرة في كل مرة تعمل فيها على تصفية فصيل من فصائل الحراك الثوري المسلح؟


بدءاً من حركة "حزم" و"جبهة ثوار سوريا"، ومروراً بـ "أحرار الشام" التي فقدت الكثير من نفوذها، وليس انتهاءً بـ "الزنكي" وشقيقاته، لم تخرج "تحرير الشام" خاسرة في أي معركة فصائلية، ربما باستثناء خساراتها أمام تنظيم "الدولة الإسلامية – داعش" في شرق الفرات، قبل أربع سنوات، وانحسارها أمام "جيش الإسلام" في غوطة دمشق قبل ثلاث سنوات.


وكانت منطقة شمال غرب سوريا، تحديداً، المساحة الديمغرافية الأنسب لتوسع مستمر لهذا الفصيل، الذي لم يوقفه شيء، إلى أن تحوّل إلى أمرٍ واقعٍ يبدو أن اقتلاعه يتطلب تدخلاً خارجياً، سيترافق من دون شك، مع خسائر بشرية كبيرة، وسيتسبب بحركة نزوح هائلة. وهو أمر تقبلته، حتى الآن، معظم الأطراف الخارجية الفاعلة بسوريا. وتمثل في اتفاق "سوتشي".


فما هو سبب صمود وتوسع هذا الفصيل، مقابل انحسار واختفاء فصائل ثورية عديدة، ربما نسينا بعض أسمائها، لكثرتها، ومحدودية تأثيرها في المشهد السوري، طوال السنوات الماضية؟ تكثر الإجابات، فيحدثك بعضهم عن التماسك التنظيمي الذي يميز "تحرير الشام". فهي في نهاية المطاف، تحوير تنظيمي طفيف عن "جبهة النصرة"، مع اختلاف التسميات التي حملتها. ولم تشهد تغيرات نوعية في تركيبتها، خلال السنوات السبع الماضية، ربما باستثناء التخلص من رموز التشدد الميالين لتنظيم "الدولة" فيها. وذلك بخلاف فصائل أخرى، كانت عبارة عن ائتلاف لفيالق أو فصائل صغيرة، لم تكن تحظى بالتماسك التنظيمي الكافي.


ويحدثك آخرون، ممن احتكوا بمقاتلي "تحرير الشام" عن الالتزام العقائدي الملحوظ لدى شبابها، والتزامهم الصارم بأوامر القيادات. وهنا يتضح دور البعد العقائدي، في تعبئة مقاتلين مستعدين للاستبسال في ساحات القتال، والموت ذوداً عما يعتبرونه إعلاءً لراية الشريعة الإسلامية. وذلك بخلاف مقاتلي الكثير من الفصائل الأخرى، الذين عُرفوا بتسيّبٍ قيمي وتنظيمي، وتورطٍ متكرر في حالات فساد، جعلت الحاضنة الشعبية في إدلب، تنفر من الكثير من الفصائل التي احتُسبت على الثورة، وتفضل عليها تنظيمات جهادية على غرار "تحرير الشام".


وبخلاف "داعش"، لم تمارس "تحرير الشام" استبداداً قيمياً على المجتمع، ربما باستثناء حالات فردية، سرعان ما تم تطويقها. إذ يمكن أن يحدثك أحد سكان إدلب عن ندرة وجود مقاتلي الهيئة داخل المدينة. وعدم وجود أي قيود على اللباس، ما دام لا يخالف العُرف السائد أصلاً في مجتمعات تلك المنطقة. وإذا كنت ستسمع أي شكوى من أداء المؤسسات المحسوبة على هيئة "تحرير الشام"، فستكون شكوى خدمية أو اقتصادية، لا أكثر.


وكذلك بخلاف فصائل أخرى تنشط في شمال غرب سوريا، تتمتع الحواجز الأمنية لـ هيئة "تحرير الشام"، بسمعة جيدة، مقارنة بنظرائها. فعلى حواجز فصائل تُعتبر "ثورية"، يمكن أن يتعرض العابرون لحالات ابتزاز بغية الحصول على رشوة، أو لشكل من أشكال التحقيق الأمني الذي يمارس فيه عنصر في الحاجز، ربما لم يبلغ العشرين من عمره، فوقية تُذكّر العابرين بعناصر الأمن التابعين لنظام الأسد. وهذا لا يحدث، في غالب الأحيان، على الحواجز التي تتبع للهيئة.


يضاف إلى ما سبق، فإن البراغماتية العالية التي تتعامل "تحرير الشام" بموجبها، مع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الساحة السورية، تشكل مصدر ارتياحٍ لسكان المنطقة، الذين يعتقد الكثيرون منهم، أن "تحرير الشام" ستكون الحصان الرابح في تنفيذ البند الخاص بتأمين الطرق الدولية، في اتفاق سوتشي.


وباختصار، فإن "تحرير الشام" تصبح يوماً تلو الآخر، مقبولة أكثر، في الشارع السوري شمال غرب البلاد. وربما في طريقها لأن تصبح كذلك، في أجندات القوى الخارجية المعنية بالمشهد السوري. وهو أمر لا تعكسه أقلام النخب المعارضة، التي ترى في الهيئة تغريداً خارج سرب الثورة التي  كانوا يرونها في مخيلتهم.












شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب