الأحد 2019/01/06

آخر تحديث: 09:43 (بيروت)

ماذا لو اعترف السيسي؟

الأحد 2019/01/06
ماذا لو اعترف السيسي؟
increase حجم الخط decrease
ماذا لو ضاجع قرد إمرأة فحملت بغلام ثم مات الغلام فهل يرثه القرد؟

هذا السؤال الهزلي سأله واحد من الأرأيتيين جاداً، يريد إجابته. والأرأيتيون(مشتقة من فعل أرأيت) طائفة من السلف كانوا يفترضون مسائل لا وجود لها ويبدأون حديثهم بقولهم أرأيت إذا حدث كذا وكذا، ولذلك سموا بالأرأيتيين أو أهل أرأيت ولهم أسئلة عجيبة كثيرة ليس هذا السؤال أكثرها غرابة، حالة من الفراغ العصامي الذي كافح أصحابه وصعدوا سلم الفراغ من أوله ليصلوا إليه، كلام فارغ تحول إلى موضوع، وحكاية، وسردية، وتبويب، وطائفة، وتاريخ، دونوه، وكتبوا عنه، وإهتموا برصده، ووصل إلينا، وأضعنا فيه بدورنا أوقاتا، قراءة ومتابعة للاشيء!

السؤال السابق، على هيافته، أكثر أهمية من أسئلة برنامج ستون دقيقة على شاشة سي بي إس الأمريكية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وإجابته، أكثر أهمية، دون شك، من إجابات السيسي، أيا كانت، ومتابعوه أكثر استثمارا لأوقاتهم من أغلب من ينتظرون حوار السيسي، المرتقب، ومن "سيأخذونه" على محمل الجد، ومن يتوقعون من وراء هذا الحوار أي جديد في علاقة السيسي بمن يحكمهم، رغما عنهم، أو بمن يحظى بدعمهم محليا وإقليميا ودوليا.


ما الذي يعنيه أن يقول السيسي أي شيء؟ ماذا لو قال السيسي في الحوار أن كل ما يروجه عنه إعلام الإخوان صحيح، وأن أمه يهودية فعلا، وأنه عميل لإسرائيل فعلا، وأنه يتحول إلى زومبي بعد منتصف الليل، ما الذي سيتغير؟ هل سيثور المصريون؟ هل سيرفع قادة الجيش المصري غطائهم عنه؟ هل ستكف الإمارات والسعودية عن دعمه؟، هل سيكتفي الاتحاد الأوروبي بهذا القدر من بيع الرافال وأجهزة التنصت وأي بضاعة راكدة لا تجد من يشتريها فيحملها السيسي بضعف ثمنها رشوة سياسية مقابل دعم أنظمة اليورو لاعتقالاته، ومذابحه، هل سيكف ترامب عن الإعجاب بحذائه بوصفه الشيء الوحيد المثير للإعجاب؟


لن يتغير شيء، على الإطلاق، حتى المتعة، لن تكون على المستوى المطلوب، ذلك الذي يوازي متعة متابعة إجابة سؤال القرد الذي سيرث الآدمي، ستشتغل ماكينة التبرير  التي فقدت عزمها وآلت للتخريد قبل أوانها من جراء القسوة في الإستخدام، وكثرته، ومجاوزته للحد الطبيعي، سوف نسمع كلاما مسلوقا عن السيسي الذي استدرج الصهاينة إلى شرك العمالة، وأوهمهم أنه عميلهم، بل واعترف بذلك على الملأ إمعانا في خداعهم، وعن العمالة بوصفها عملاً وطنياً، وعن الجاسوسية بوصفها حماية للدولة من المتطرفين، وعن الخيانة بوصفها خدعة استراتيجية، لا يقوم بها إلا رئيس خلفيته عسكرية!


ليس هذا بمستغرب ولا هو ببعيد، كما أنه ليس مبالغة على سبيل السخرية السوداء مما يحدث، بل هو الأقرب للتصديق في شبه دولة السيسي، بالأمس القريب كان الأستاذ عبد الحليم قنديل، الكاتب الصحافي الكبير، يبرر أعلى مستويات التنسيق بين مصر وإسرائيل في سيناء بقوله إن ما يفعله السيسي هو بمثابة "تحرير" لسيناء، وأن السيسي استطاع إدخال قوات الجيش المصري إلى المنطقة "ج" لأول مرة منذ أكتوبر 73إلى الآن، ضد رغبة الأمريكان، وأن هذا يعد إنقلابا على بنود اتفاقية كامب ديفيد، تحولت "العمالة" إلى "تحرير" في التحليل الناصري الأخير، وأصيب المذيع محمد الغيطي، الذي لم يكن يحلم أن يصافحه "قنديل" قبل 2013، بحالة متقدمة من الذهول المختلط بالفرحة الوطنية والنشوة الدولتية، أخرجته عن شعوره فصفق للأستاذ على الهواء وظل يهلل الله عليك الله عليك، وكأن قنديل هو الذي أحرز هدف أبو تريكة في الصفاقسي التونسي!


ما أسهل التبرير لجمهور لا يحتاج إلى مبررات أصلا، ومهما قلت له، أو لم تقل، فسوف يصدق، ويبصم بالعشرة على ما لم تقله، فأي إضافة تلك التي سيضيفها حوار السيسي مع البرنامج الأمريكي الشهير؟، لقد طالب سفير مصر في واشنطن إدارة القناة الأمريكية بعدم إذاعة الحوار، وهو ما ردت عليه القناة بأن الحوار سيذاع كاملا فجر الإثنين بتوقيت القاهرة، لا يوجد سبب واضح لطلب السفير المصري، غير المبرر. أطرف ما قرأته هو ما كتبه الصديق أشرف الشريف، المحاضر في العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، ساخرا على صفحته بالفيسبوك من أنه لا يستبعد أن يكون أحد رجال السيسي قد نبهه أن الحوار الأخير للرئيس المؤمن محمد أنور السادات قبل وفاته كان مع الإعلام الأمريكي، فاعتبره السيسي نذير شؤم وقرر إصدار "قرار جمهوري" بعدم إذاعة الحوار لكنه نسي أن حواره المشؤوم كان مع الإعلام الأمريكي وليس مع عمرو أديب كي يتراجع عنه بقرار!


ما يعتبره البعض فضيحة مدوية هو في مصر مجرد "روتين"، تسريبات القناة الأمريكية لكلام السيسي عن أعلى مستويات التنسيق بين مصر والكيان الصهيوني، هو فضيحة ولا شك، لكنه بالنسبة للمصريين الآن كلاما مكرراً ومعاداً ونمطياً ومملاً، ليس لأننا نراه واقعاً عملياً كل يوم، بل لأن السيسي نفسه قاله غير مرة في مناسبات مختلفة، منها، على سبيل المثال، تصريحاته الواضحة في الأمم المتحدة بأنه لن يسمح أن تكون سيناء حديقة خلفية للنيل من الأمن الإسرائيلي وزلة لسانه الشهيرة، وزلات اللسان دخائل أنفس، أن همه الأول هو سلامة المواطن الإسرائيلي!، فما الجديد؟


السيسي عند أنصاره، غير المستفيدين بشكل مباشر من وجوده على قمة هرم السلطة، هو البديل عن الإسلاميين، وهو عند المواطن العادي البديل عن حالة اللادولة أيام حكم الإخوان، وهو عند حلفائه الإقليميين البديل عن حالة تصدير الثورة، وهو عند حلفائه الدوليين البديل عن تصدير الملايين من اللاجئين المصريين، فما الذي سيدفع كل هؤلاء إلى التخلي عنه لأنه قال أي شيء، فليقل السيسي ما يشاء، وليكن ما يشاء، فوجوده أهم من حقيقته، وحقيقته أقل أهمية بكثير من ذلك القرد الذي ضاجع امرأة فأنجبت غلاما فمات الغلام فورثه القرد.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها