آخر تحديث:09:08(بيروت)
الخميس 03/01/2019
share

عنوان إيراني جديد للتشدد

حسن فحص | الخميس 03/01/2019
شارك المقال :
عنوان إيراني جديد للتشدد صادق لاريجاني إلى جوار خامنئي
قد لا يكون قرار المرشد الايراني آية الله علي خامنئي بتعيين رئيس السلطة القضائية آية الله صادق آملي لاريجاني على رأس مجمع تشخيص (تحديد) مصلحة النظام قرارا مفاجئا، نظرا للسرعة التي تم فيها، خصوصا وان المرشد كان لديه المتسع من الوقت لتقويم الشخصيات التي يمكن ان تتولى هذا المنصب منذ الكشف عن اصابة رئيس هذا المجمع الراحل آية الله محمود هاشمي الشاهرودي بالمرض العضال ودخول حالته الصحية في مسار تراجعي ترافقت مع تغيبه عن المشاركة في جلسات المجمع لعدة اشهر، وصولا الى وفاته قبل ايام.

وعلى العكس من تعيين الشاهرودي خلفا لزعيم ورئيس المجمع الاسبق آية الله علي اكبر هاشمي رفسنجاني الذي توفى في ظروف اشكالية، واستمر الفراغ في هذا الموقع لنحو سبعة اشهر، فان تعيين صادق لاريجاني جاء قبل مضي سبعة ايام من رحيل الشاهرودي، وقبل ثمانية اشهر من انتهاء ولايته الثانية على رأس السلطة القضائية (آب/ اغسطس المقبل).

قرار التعيين الصادر عن مرشد النظام الذي يتولى حصريا وشخصيا بحكم موقعه على رأس النظام وموقع ولي الفقيه مهمة تعيين رئيس واعضاء هذا المجلس لدورة زمنية تستمر لمدة خمس سنوات قابلة للتمديد لجهة ان الدستور اغفل الحديث عن هذه النقطة، ويلعب دورا استشاريا غير ملزم في الخلافات التي تنشب بين مجلسي صيانة الدستور والبرلمان حول دستورية وشرعية (التطابق مع الشرع) القوانين التي يقرها البرلمان. هذا القرار تضمن اشارات واضحة الى المهمة الملقاة على عاتق الرئيس الجديد والتي انتقلت اليه من الرئيس الراحل الشاهرودي والذي لم يتمكن من بلورتها ووضعها على سكة التنفيذ لابتعاده عن ممارسة مهامه بسبب المرض.

وهذه المهمات وحسب ما جاء في رسالة المرشد للرئيس الجديد لاريجاني يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

• تقديم الاستشارة لمرشد النظام حول السياسات الكلية والعامة للنظام
• الدور المهم والفريد لمجمع تشخيص مصلحة النظام في ادارة واستحكام وثبات النظام
• ضرورة التنظيم السريع لمؤسسات المجمع
• هذا المجمع يلعب دورا مهما ومؤثرا في الحياة السياسية للنظام
• ضرورة ايجاد تغييرات في بنية ومحتوى المجمع، وهي مسؤولية مهمة واساسية يجب ان ينهض بها الرئيس الجديد، والذي عليه ان يقوم بها على اكمل وجه
• ان يصب الرئيس الجديد كل اهتمامه وجهوده من اجل " رتق وفتق" المسائل التي تعتبر مسؤولية خطيرة على كاهله مستفيدا من تجربته في رئاسة السلطة القضائية.

وفي خلاصة الامر، فان المهمة التي تنتظر صادق لاريجاني هي الانتقال بدور ومهمة هذا المجمع من الدور الاستشاري غير الملزم الى الدور الشريك في صناعة القرار في تركيبة النظام، خصوصا وان لاريجاني سيكون ايضا عضوا في فقهاء مجلس صيانة الدستور الذي يعتبر الطرف المقابل للبرلمان والمراقب له.

ومن المفترض بلاريجاني ان يعمد في المرحلة الاولى الى تفعيل "لجنة العقلاء" التي سبق ان تشكلت داخل المجمع لوضع التصورات والخطط التي تعرض على المجمع في جلساته العامة بمشاركة جميع الاعضاء. وهي اللجنة التي دار الكثير من الجدل حولها بين اعضاء المجمع وبين مراكز القرار في النظام على خلفية ان هذه الخطوة تؤسس لفتح طريق امام هذا المجمع للعب دور خارج الاطار الدستوري المحدد له.

المهمة الجديدة التي على صادق لاريجاني ان يقوم بها في المرحلة المقبلة هي اعادة هيكلة دور هذا المجمع، وهو الهدف الذي سعى للقيام به هاشمي رفسنجاني اول رئيس للمجمع المعين عام 1987 من قبل مؤسس الثورة والنظام آية الله روح الله الخميني الذي دعا الى تأسيس هذا المجمع لحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور وبين رئيس الجمهورية (أنذاك كان رئيس الجمهورية خامئني) ورئيس الوزراء مير حسين موسوي. الا ان الخلاف الذي وقع بين رفسنجاني ومرشد النظام حول اسلوب التعامل مع الازمة التي شهدتها ايران عام 2009 اثر الانتخابات الرئاسية واندلاع موجات من الاعتراضات على النتائج بقيادة كل من مهدي كروبي ومير حسين موسوي وعرفت وتعرف بالحركة الخضراء. وانتهت الى محاصرة رفسنجاني واستبعاده عن دوائر القرار فخرج من رئاسة مجلس خبراء القيادة ومن امامة صلاة الجمعة في طهران لكنه احتفظ الى حين وفاته بمنصب رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام محاصرا من دون ان يكون له فعالية او دور مؤثر.

الانتقال من الدور الاستشاري والحكم بين مؤسستين على علاقة بالحياة التشريعية الرقابية في هرمية النظام الى الدور الفعال والمؤثر، يحمل على الاعتقاد بان القيادة في النظام الايراني تسعى لتنظيم البيت الداخلي استعدادا للمرحلة المقبلة التي لم يتردد المرشد من الحديث عنها مباشرة وعلانية عندما دعا للتفكير بموقع المرشد بعد رحيله عن الحياة.

واعطاء مجمع تشخيص مصلحة النظام مهمات خارج المحددات الدستورية المرسومة له، يعني بان هناك مساع جادة داخل النظام لاستكمال دائرة السيطرة على القرار في المرحلة المقبلة ومنع اي تطور من خارج السياقات المرسومة للعملية السياسية او الانتقالية، وبالتالي فان مؤسسات مثل مجالس صيانة الدستور وخبراء القيادة والبرلمان ستكون متكاملة مع مجمع تشخيص المصلحة لتحديد مستقبل وسياسات النظام العامة والاستراتيجية الداخلية والخارجية على حد سواء. ما يضع رئيس هذا المجمع على قدم المساواة مع الرئيس المقبل للسلطة القضائية (التي من المتوقع ان يتولى رئاستها رجل الدين المتشدد ابراهيم رئيسي) ورئيس الجمهورية حسن روحاني ورئيس مجلس صيانة الدستور وخبراء القيادة في ان يكون احد مرشحي خلافة المرشد او عضوا في مجلس القيادة الذي اشار له الدستور لقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية او في حال شغور منصب المرشد ولم يتم انتخاب مرشد جديد. وبالتالي فان تغيير مهام ودور هذا المجمع وباشراف من رئيسه مباشرة يعني الابقاء على صادق لاريجاني فاعلا في القرار والحياة السياسية وبالتالي تعزيز المواقع المتشددة في تركيبة النظام في مواجهة التيارين المعتدل والاصلاحي والحد من طموحاتهما للمشاركة الفاعلة في قيادة النظام.

تعزيز دور مجمع تشخيص مصلحة النظام يعني ان المرحلة المقبلة ستشهد تعزيزاً لدور المؤسسات التابعة لمرشد النظام والتي يتولى شخصيا تعيينها مباشرة او غير مباشرة (تعيين اعضاء المجمع ورئيسه وتعيين نصف اعضاء مجلس صيانة الدستور الفقهاء والستة الاخرين القانونيين من قبل رئيس السلطة القضائية المعين بدوره من قبل المرشد)، وهذا التعزيز سيكون على حساب دور المؤسسات المنتخبة من الشعب اي مجلس النواب، ما يعني بالتالي تعزيز القبضة على مفاصل المؤسسات وفرض مزيد من الرقابة على العمل التشريعي من خلال اضافة مؤسسة رقابية جديدة الى جانب مجلس صيانة الدستور. وهذا قد يؤدي الى تراجع انتاجية المؤسسة التشريعية (ولعل ازمة اقرار معاهدة الانضمام الى اتفاقية باليرمو لمكافحة تمويل الارهاب خير مثال على الاشتباك بين مجلسي صيانة الدستور والبرلمان وميل مجمع تشخيص مصلحة النظام الى رأي صيانة الدستور).

وانطلاقا من شخصية صادق لاريجاني الذي يعرف عنه حدة الطبع والاستعجال في اعلان المواقف، فان المتوقع ان يدخل في الكثير من المناكفات والمعارك الجانبية انطلاقا من موقعه الجديد، تكون استمرارا للمعارك والمواقف التي اتخذها عند توليه رئاسة السلطة القضائية، خصوصا اتجاه البرلمان والنواب من جهة ومع رئيس الجمهورية من جهة اخرى.

من هنا فان اوساط ايرانية تتوقع ان تستمر المواجهة بين لاريجاني في منصبه الجديد مع الرئيس روحاني، وبالتالي ستشهد المرحلة المقبلة مزيدا من المحاصرة للحكومة الروحانية ووضع العراقيل امامها خصوصا في ما يتعلق بحصتها في رسم السياسات العامة للنظام الداخلية والخارجية، وهذا يعني الدفع بروحاني الى مواجهة ازمات على صعيد القاعدة الشعبية والسياسية (المعتدلة والاصلاحية) الداعمة له، انطلاقا من عدم قدرته على تسويغ العجز الذي سيعاني منه امام هذه المؤسسات الرقابية التي تمتلك ناصية التحكم بالقرار في النظام الايرانية مستمدة من كونها لا تخضع سوى لمساءلة مرشد النظام.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها