آخر تحديث:07:57(بيروت)
الخميس 24/01/2019
share

بروڤا سهل الغاب

إياد الجعفري | الخميس 24/01/2019
شارك المقال :
بروڤا سهل الغاب

"جيش هجين"، و"أمن هجين"، إنها "سوريا" التي باتت هجينة، تتصارع في مؤسساتها ثلاث قوى متناقضة الأهداف. أما نسخة "سوريا الأسد" التي كانت قائمة قبل 2011، فإن استعادتها أمرٌ مستبعدٌ للغاية. ويستطيع إعلاميو النظام التبجح بانتصاره، عبر استعادة معظم التراب السوري، وربما، كله، في المستقبل القريب. لكن ما لا يستطيعون الحديث عن استعادته، هي سيطرة نظامهم على الجيش والأمن، وعلى السيادة داخل هذا التراب.

ما سبق كانت "نبوءة" للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية والدولية، أطلقها قبل أسابيع. لكن مُطلق تلك "النبوءة" التي جاءت بصيغة تحليل علمي، لم يتوقع أن تنفجر التناقضات بين مكونات هذا "الهجين" سريعاً، لتطفو صراعاتهم إلى السطح، في اقتتالٍ دامٍ، كما حدث خلال أسبوع، في سهل الغاب.

منذ مصرع الجنرال الروسي، فاليري أسابوف، قائد الفيلق الخامس، في دير الزور، بخريف العام 2017، احتوى الطرفان الروسي والإيراني، تناقضاتهما، وأداراها سياسياً، في محاولات حثيثة، كانت ملحوظة للعيان، لبناء نفوذ أقوى، لكل طرف، داخل أجهزة الأمن والجيش السوري. وابتلعت روسيا غصّة مقتل الجنرال الروسي حينها، رغم شكوكها بدور إيراني، في تدبير مقتله، الذي تبناه تنظيم "الدولة الإسلامية". لكن بعد أكثر من سنة، على تلك الحادثة، أصبح من العصيب ضبط تناقضات الأجندات الروسية – الإيرانية في المشهد السوري، فكان أن تحول صراع النفوذ البارد، لأول مرة، إلى اشتباك عسكري ساخن.

أما الضربات الإسرائيلية التي تكثفت ضد الإيرانيين في سوريا، في الأيام الأخيرة، فهي بدت وكأنها إسناد للروس في صراعهم مع الإيرانيين في سهل الغاب، الذي لم يهدأ الاشتباك فيه، حتى انفجر مجدداً. وكأنه توزيع أدوار إسرائيلي - روسي ضد إيران في سوريا، بحيث تتولى إسرائيل استهداف إيران في دمشق وجنوب سوريا، فيما تتولى روسيا إخراج إيران من وسط سوريا، من معقل بارز للطائفة العلوية. ذلك المعقل يقع في نقطة تلاقٍ استراتيجية على تخوم الساحل من جهة، وإدلب والمناطق المحررة، من جهة أخرى.

لماذا تريد روسيا السيطرة على تلك البقعة من سوريا؟، ولماذا تريد إزاحة الميليشيات الموالية لإيران منها؟ قد يكون الجواب في حيثيتين، الأولى تتعلق باستعادة حاضنة علوية في تلك المنطقة، تمدد في أوساطها الإيرانيون عبر ميليشيات محلية متعاونة معهم. والثانية، السيطرة على جانب من تخوم المنطقة التي تحكمها هيئة "تحرير الشام"، بحيث لا يكون قرار الحرب على تلك المنطقة، في قبضة الإيرانيين. فالروس، كما اتضح في الأشهر الأربعة الأخيرة، أقرب للأتراك، منهم للإيرانيين ونظام الأسد، في شأن مصير إدلب. وهم لا يريدون خسارة الشريك التركي.

وتؤشر النتائج الأولية لاشتباكات سهل الغاب، إلى تفوق روسي، في الحيثيتين. حيث تمكن الروس من إقامة قناة تواصل مع وجهاء علويين في المنطقة، قد تمهد لحلول النفوذ الروسي محل النفوذ الإيراني. وهو ما سيُترجم ميدانياً، بأن تحل الميليشيات الموالية للروس محل نظيرتها الموالية للإيرانيين.

وربما لم يصل الصراع في سهل الغاب، إلى خواتيمه بعد، لكنه في كل الأحوال، قد يكون "بروڤا" لصراعات مشابهة في مناطق أخرى، لا تقل أهمية عن سهل الغاب. المنطقة الشرقية مثلاً. وتحديداً على تخوم شرق الفرات الذي يعتزم الأمريكيون الانسحاب منه، حيث يتواجد النفوذ الإيراني بقوة. هناك بالضبط، حيث اغتيل الجنرال الروسي، أسابوف، قبل أكثر من سنة، وحيث للروس ثأر قديم مع الإيرانيين. في ذلك الحين لم يكن لدى الروس ما يكفي من نفوذ داخل الجيش وأجهزة الأمن السورية، كي يعملوا على الرد. فتركوا الساحة، نسبياً، للإيرانيين. لكنهم اليوم في وضعٍ أفضل بكثير، بدعمٍ من الضغط الأمريكي الاقتصادي على إيران، والضغط العسكري الإسرائيلي عليها.

لذلك، فإن ما حدث في سهل الغاب، خلال الأيام السبعة الماضية، مرشح للتكرار، في مناطق أخرى من سوريا. فما دامت الأجندات الروسية – الإيرانية متضاربة في سوريا، فلا يوجد ما يمنع هذا الصراع من التفاقم، والتمدد.

أما ما موقع رأس النظام السوري من هذا الصراع؟ إنه في موقع لا يُحسد عليه، فبقاؤه مرتبط بتوازن القوى والمصالح بين الإيرانيين والروس، وهو ما بات تحقيقه أصعب بكثير مما كان عليه في السنوات الثلاث السابقة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها