آخر تحديث:07:31(بيروت)
الثلاثاء 22/01/2019
share

بريكست: الديموقراطية كأزمة

شادي لويس | الثلاثاء 22/01/2019
شارك المقال :
بريكست: الديموقراطية كأزمة أدركت ماي أن مسودتها ستسقط حتماً، وكان السؤال فقط حول حجم المهانة (غيتي)
لم يبقَ أمام الموعد المحدد لخروج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي، سوى بضعة أسابيع، ومع هذا فإن أحداً لا يعرف ما الذي سيحدث حينها. فمسودة الإتفاق التي توصلت إليها حكومة تيريزا ماي مع الإتحاد الأوروبي، بعد مفاوضات طويلة ومضنية، تم التصويت ضدها في مجلس العموم، بفارق مُهين. كانت ماي تعرف مسبقاً بأن مسودتها ستسقط حتماً، وكان السؤال فقط حول حجم المهانة.

صوّت نواب من حزب المحافظين ضد حكومتهم، فهذا الإنقسام التاريخي الطويل داخل الحزب حول الموقف من أوروبا هو ما جلب استفتاء 2016 بالإساس. لكن، حين دفع حزب العمال بتصويت لسحب الثقة من الحكومة، توحد نواب المحافظين خلف ماي. كان جيريمي كوربين بدوره موقناً بأن الحكومة ستحظى بدعم كافٍ في البرلمان. لكن العمال، كالمحافظين، كانوا يتخذون قرراتهم، وكأنهم في لعبة شطرنج بلغت لحظة "الحبسة"، حيث لا إمكانية للفوز ولا الهزيمة، ولا حتى الحلحلة، فكل نقلة يبدو غرضها الوحيد هو النقلة نفسها لا أكثر.

الإتحاد الأوروبي أصرّ على إنه لا تفاوض على مسودة الإتفافية المرفوضة إذا لم يحدث تغير جذري في أهداف المملكة المتحدة. أما دعوة ماي للحوار مع الأحزاب الأخرى، فلا تبدو واعدة. فالعمال يريدون تأكيداً لرفض فكرة الخروج من دون إتفاق، كشرط للحوار، وماي ترى في رفض المبدأ بالكامل إضعافاً لموقف بريطانيا أمام الإتحاد الأوروبي. وداخل حزب العمال، الأمور ليست أفضل حالاً، فالحزب منقسم أيضاً. عدد من نواب الحزب هددوا بالاستقالة، في حال أعلن كوربين تأييده لفكرة استفتاء شعبي ثان على الخروج، إذ يرون في ذلك التفافاً على الإرادة الشعبية في الاستفتاء الأول، وخروجاً على الأعراف السياسية المستقرة.

يزداد الوضع تأزماً كلما تقدم الوقت، إذ يبتعد الجميع خطوة عن حلّها، وخطوتين عن بعضهم البعض، وبتقدّم ثابث في إتجاه الحافة. لكن وراء هذا المشهد الضبابي والشعور القدري بالكارثة، ربما تكمن واحدة من أوجه الديموقراطية النيابية، الأكثر جوهرية. فالخليط المتنافر من الدوافع الأخلاقية والميول الشخصية، جنباً إلى جنب مع المصالح الطبقية وجماعات الضغط والولاءات الحزبية وخياناتها التي تشكل المشهد السياسي وحركة مؤسساته في ظل الديموقراطيات النيابية كما نعرفها اليوم، لا تعد بأي حال بمسارات مخملية لاتخاذ القرار، بل على العكس، هو تصعيده إلى أزمة، ودفع العملية برمتها إلى الحافة في أحيان ليست بالقليلة. فالتردد والهشاشة والتضارب والتخبط والبطء، مع كثير من الصياح والذوات المتضخمة وبعض من حس المغامرة غير المسؤولة وقدر ليس بقليل من الانتهازية والعجز عن القبول بحلول وسط والوصول إلى طرق مسدودة، في أحيان كثيرة، هي السمات الأكثر التصاقاً بفكرة الديموقراطية، لا بوصفها صراعاً فقط، بل كأزمة طارئة وكذا مستمرة ومزمنة. فالحسم والإجماع والمرونة والإنجاز الفوري واليقين والمسارات المباشرة، ليست سوى وعد الديكتاتوريات المتجدد، وحجتها الدائمة.

لكن القبول بصورة الديموقراطية كأزمة، لا يكتمل سوى بالإقرار بهشاشتها، والقبول في الوقت ذاته بأنه لا بديل عنها، وباليقين الذي يمنحه الإتفاق الضمني بين الجميع بأن حلاً ما - بصرف النظر عن مدى رجاحته - سيتم تلمسه. ففي بريطانيا اليوم، ورغم وصول الأزمة إلى لحظتها الحرجة، يمكن ملاحظة بعض الجزع. فكل طرف يتحصن في أكثر مواقفه تصلباً، ويأخذ خطوة بعد أخرى بحسب القواعد، وبقليل من الإثارة.

غالباً، سيقبل الإتحاد الأوروبي طلب تأجيل موعد الخروج، وسيجري حوار عابر للأحزاب في مجلس العموم، بعد الكثير من الشد والجذب، ليقود إلى مفاوضات جديدة مع الأوروبيين بأهداف جديدة، أو ربما بطرح الأمر مرة أخرى للاستفتاء الشعبي. ولعل هذا كله سيقود إلى أزمة أخرى، أو إلى تمديد الورطة الحالية. لكن، في النهاية، تظل نجاعة الديموقراطية، في أزماتها على وجه التحديد، وفي فاعليتها الأكثر إثارة للارتباك والقلق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب