آخر تحديث:00:36(بيروت)
السبت 19/01/2019
share

نيوتن في ديار الكرد

أحمد عمر | السبت 19/01/2019
شارك المقال :
نيوتن في ديار الكرد

دعاني لحضور جلسة شهادة الدكتوراه، وكان يسبقني بسنتين، والسنتان خولتاه أن يتصرف كعرّاب وأب روحيّ، وانطلقنا من داره، مع أخواته الثلاث اللاتي حضرن من القرية البعيدة على نهر دجلة، لحضور جلسة التخرج، أخواته لهن أسماء قارات: أوقيانوسيا وأستراليا وآسيا. للأعاجم المسلمين مذاهب عجيبة في الأسماء. وكانت أمهن تناديهن على مذهبها الكردي لصعوبة الأسماء: مكية، واستيرا، وآسيا.

لم نفهم كثيراً من المصطلحات العلمية في أطروحته الاقتصادية المكتظة بها، وجاء أوان مناقشة الرسالة، واللجنة المحكمة قد ارتدت زي الزبانية الأسود، ووجدت أخطاء في التبويب والحواشي والهوامش، وكلما أشار أحد أعضاء اللجنة إلى عيب في الأطروحة، مدّت أوقيانوسيا يدها إلى نعلها وقالت: سأضربه بنعلي، فأُمسك يدها وأنهاها عن المنكر وآمرها بالمعروف، وأقول لها: اصبري يا أوقيانوسيا، لا تفضحينا، هذه عيوب عادية، وهي لصالح فرهاد، وفعلاً صفق الحضور لفرهاد ونال الدكتوراه بدرجة امتياز، ونجت اللجنة من نعال القارات الثلاث.

كان فرهاد يطمح إلى تأسيس حزب يصدر مجلة شهرية، في العلن، وليس مثل الصحف الكردية السرّية التي تطبع وتوزع تحت جنح الظلام، الصحيفة الوحيدة شبه العلنية، التي تطبع ولا تباع في المحلات، كانت لحزب العمال الكردستاني، فالحب قديم بين النظام الطائفي السوري والحزب الكردي التركي، وما الحب إلا للحبيب الأول، وعمل فرهاد بجد والتقى بنجاح العطار، وترك طلبه على طاولتها، لكن الموافقة لم تأت.

دعاني مرة إلى زيارة قريته الحالمة على ضفاف دجلة، فقضيت فيها أياماً لا تنسى: نفيق في الصباح على أصوات خرير المياه، ونمارس رياضة ركوب الخيل، ونزور الجسر الروماني، ونصيد السمك، سمك أسود طيب، الفرخ بحجم الفروج، حتى تحسنت صحتي، وصار دمي غنياً بالحديد، وكنت آمل أن يغتني بالذهب، لكن هيهات منه الذلة.

 اصطدت مرّة سمكاً ملوّناً محرماً، وكان على ضفة النهر ضريح لولي من الصالحين، ترتع في المياه التي تجري بقربه أسماك ملونة لا يعلم أحد من أين جاءت، تشبه أسماك حديقة كلوفر غاردن في اليابان، والصيد سهل، باليد مباشرة، فاضطرب، مع أنه ماركسيّ النزعة مثل معظم النخبة الكردية الشابة، ليس لتقواه الأيديولوجية، وإنما لأنه رجل يعمل في السياسة ومن السياسة مداراة الناس وتوقير عقائدهم، فقلت: دعني أبوء بالذنب وحدي، ولن يكون ولي الله صالحاً إلا إذا أكلنا من ضيافته، سنأكل السمك بدلاً من أن يأكل بعضه بعضاً، مللنا من طعم لحم  سمك السيرونكس أسود وأبيض.

 وأعدّتْ لنا أوقيانوسيا السمك الكرونديك ووجدناه طيباً، التذَّ بمشهده البصر وبطعمه الفم، وجلسنا نقرأ، فقلت لنفسي: ألا يرسل لي صديقي فرهاد رسائل في سؤاله الدائم عن استحالة زواجي، ويقول لي: اخطب واحدة من القارات الثلاث، وأنا أزوجك وأجعلك صهري؟ فهو الأخ الأكبر، ووليُّ الأخوات تقريباً، ويقدر على تزويجي إحداهن ولو بخاتم من حديد.

كان فرهاد صريحاً، وما أظن أنه يميل الى الإشارة والإيماء، وترحّمت على أيام زمان، أيام السلف الصالح، عندما كان الصالح يدق باب جاره الشاب، ويقول له: تعال يا ولدي سأزوجك ابنتي.

والأمثال القديمة تقول: اخطب لابنتك قبل أن تخطب لابنك.

ولم أكن متعجلاً مثل كل أبناء جيلي العاجز، أمامي عشر سنوات ضوئية كما كان يقول لي، لكن ديني كان في خطر، وكنت أريد أن أكمله، وكنت أعيش بربع دين، ديني كان على الحديدة. نصف ديننا في الفراش.

وقلت لو أعطاني يد أستراليا الوسطى لقبلت، وآسيا الكبرى لرضيت، وكنت أفضل الصغرى أوقيانوسيا، آخر طبعة. ولكل جديد لذّة. السوري يفضل الصغيرة حتى يربيها على عينه.

واسترسلت في الأحلام، وذابت شخصيتي في شخصية أحد الصالحين، أمشي وأنا جائع، فأجد تفاحة توشك أن تسقط على رأسي فأكتشف قانون جاذبية الذكر للأنثى قبل جاذبية الإنسان للأرض، فقطفتها وقضمت منها قضمة، ثم أفقت وقلت ويلي، هذا حرام، لا تحل لي، لا يجوز لي أن آكلها، وسألت عن صاحب البستان، فدلني الناس عليه وطرقت بابه، فخرج رجل عليه سيماء الصالحين، قلت له وأنا أرفع تفاحة تشبه تفاحة ستيف جوبز مقضومة قضمة واحدة: أكلتها من غير أذنك فسامحني بها.

قال: لا أسامحك حتى تتزوج ابنتي.

قلت: أقبل

قال: هي صماء وعمياء

فأخذت نفساً عميقاً يشبه الحسرة وقلت: الصمم نعمة كبرى سنعيش كالمتصوفة، وصماء يعني خرساء، لا بأس، يقول الذكور عن الخصوم من الجنس الرقيق: إن النساء ثرثارات. والعمى نعمة آخرى، لن ترى برامج القناتين، السورية الرسمية وأختها الثانية ولن ترى عيوبي الكثيرة. وقلت بيأس: أقبل.

وقال: ونصف مشلولة.

وكانت هذه النقيصة تشبه اللكمة على الأنف، واللكمة على الأنف تسبب الدموع، فنظرت إلى التفاحة الشهية، وقضمت قضمة ثانية وقلت: أقبل، المهم أن أنجو بديني، فهناك سبعون حورية تنتظرني في الجنة، أضحّي بحورية الدنيا حتى أفوز بهن. وأنا أتذكر التفاحات الكبرى في تاريخ البشرية؛ التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن فاكتشف قانون الجاذبية، وأكل منها ستيف جوبز فاخترع جهاز آبل، والتي قضمها آدم قبلهما فخرج من الجنة، حسب المرويات التوراتية، وكنت آمل أن تدخلني تفاحتي الجنة.

ثم عقد القران بين السحاب، ونثرت علينا النجوم، وصنعنا قلائد من أشعتها، ودخلت إلى مقصورة العروس فوجدت حورية، أكبر عيوبها أنها حوراء، تشبه صوفي مارسو التي مثلت دور الأميرة إيزابيلا في فلم "القلب الشجاع"، وسوى الجمال هي صُناع، ومغنية تجيد العزف على الآلات الوترية والمقطوعة الأوتار، بل إنها لا تحتاج إلى آلة لتطرب، وتحفظ الأشعار، وعلوم الفقه والنحو الصرف، والخوارزميات، وتجيد الرقص أكثر من الجارية تودد في ألف ليلة وليلة.

فدخلت جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، ودخلت بها وبنيت بها بناء أعلى من ناطحة برج العرب، وصرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب الخلق والكينونة، والانفجار الكبير، والخروج من الجنة والعودة إليها، ولم أخرج من المقصورة، حتى خشيت أن أفقد ديني كله من الحب والوجد.

كان فرهاد يكتب أبحاثاً جادة، مليئة بالأرقام، ومثل هذه الأبحاث قليلة القراء، وكان قليل النشر، وتحولت أحوال الدنيا، وظهر فيسبوك، وصار كل واحد منا رئيس تحرير، لا نحتاج إلى موافقة نجاح العطار. نحن نثرثر على صفحاتنا ونعلق على الأحداث، ونسرق البيض من أعشاش الآخرين ونكتب عليها "منقول"، أو ننسب أقوالاً ركيكة إلى ابن خلدون المسكين، فيخرس الناس، ويصفقون لسعة معارفنا وسهرنا الليالي على كتب العلم!

ثم دارت الأيام واندلعت الثورة، وتصدرت كوباني الأخبار في العالم، وتقدمت على المدن السورية كلها، في سوبر ستار الأخبار والقتل، حتى سبقت حلب ذات السبعة آلاف سنة، وحضاراتها الحثية والآرامية والآشورية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.

سبقت كوباني حلب بعلمائها وشعرائها أمثال الحمداني والمتنبي، وأبي القاسم الرقي، والمجتبى الإنطاكي وديونيسيوس وقيس الماروني والفارابي، وابن سينا. ابن خالويه، وأبي الفتح بن جني، وأبي علي الحسين بن أحمد الفارسي، وأبي الطيب اللغوي.

سبقت كوباني حلب التي قال عنها الرحالة الأوربيون: إن درّة السلطنة العثمانية هي حلب وليست إسطنبول. كما ذكرها شكسبير مرتين، في ماكبث وفي عطيل، ولم يذكر كوباني ولا تلبيسة.

اهتدى صديقي فرهاد بعد الضجة العالمية التي اختلف عليها الناس، فمنهم من يقول إنها مؤامرة على الوعد الكردي، وهؤلاء يكفّرون من يطلق على كوباني اسم عين العرب، ومنهم من يقول إنها مؤامرة على تركيا والوعد الإسلامي الجديد، وقسم ثالث يقول: إنها مثل أخواتها السوريات. فكان ليس كمثل الذي أضاع ليرته في الظلمة فذهب يبحث عنها تحت عمود النور، فرهاد قرر أن يبحث تحت الأرض:

" إني أبحث في المراجع وبطون الكتب القديمة، وباللغات القديمة، عن كنوز دينية مقدسة تحت أرض كوباني، وربما تحتها آبار ذهب أسود، فلا تفسير لهذ الضجة العالمية سوى هذا الأمر".

انفلقت حبة الذرة إلى حبة بوشار.

ضربته الجاذبية الخالدة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب