آخر تحديث:15:38(بيروت)
الجمعة 18/01/2019
share

أوروبا إذ تمنع إنتحار لبنان

مهند الحاج علي | الجمعة 18/01/2019
شارك المقال :
  • 0

أوروبا إذ تمنع إنتحار لبنان

لم يكن لبنان خلال الشهور الماضية على الرادار الأوروبي. ليس لأن هذه "الدولة الفاشلة"، كما يُوصف تقنياً في النقاشات الأوروبية، غير مهمة، بل نتيجة تراكم أزمات داخلية أوروبية مثل خروج بريطانيا من الاتحاد والاحتجاجات الفرنسية، وتحديات اقليمية من قبيل انقاذ الاتفاق النووي، ووقف حرب اليمن واغتيال الصحافي جمال خاشقجي. لكن التطورات الأخيرة في لبنان، مالياً أو سياسياً، أعادت أزمة هذا البلد إلى طاولة صنع القرار، وفقاً لمسؤول أوروبي زار بيروت أخيراً.

سياسياً، يبدو العقم الحكومي عصياً على الحل. بل أكثر من ذلك. المفاجأة أن لبنان ازداد ضعفاً ووهناً بمجرد تعافي النظام السوري جزئياً، وكأن هناك رابطاً مباشراً بين الاثنين: قوة سوريا وضعف لبنان. على سبيل المثال، بدا من عواصم القرار الأوروبي أن القمة الاقتصادية العربية المنتظرة في بيروت تعرقلت نتيجة غياب سوريا عنها. هل كان سيجرؤ أحد على مهاجمة ليبيا وإضعاف الحضور العربي في القمة المرتقبة، لو تمثّل "النظام السوري" فيها؟ الإجابة عن هذا السؤال مُهينة بعض الشيء.

في ظل هذا العقم السياسي، يزداد الضغط المالي والاقتصادي على لبنان بما يُهدد بخلق بؤرة بؤس جديدة قرب القارة الأوروبية. قوارب اللاجئين ما زالت تؤرق الجانب الأوروبي، لكنها ليست وحدها مثار قلق، بل ربما فقدت بعض وميضها نتيجة "الابتزاز" اللبناني المتواصل. لكن هناك تفهماً أوروبياً صريحاً للموقف اللبناني. بكل صراحة، لو كان الأوروبيون مكان اللبنانيين، للجأوا إلى الأسلوب نفسه في مخاطبة أوروبا، من بوابة التلويح بأزمة لجوء جديدة (ربما مع فارق أن الأوروبيين لن يُفرطوا بأمنهم واقتصادهم ومصالحهم الوطنية مقابل حسابات ضيقة، كما يفعل المسؤولون اللبنانيون اليوم).

ما زال القلق الأوروبي حيال اللاجئين قائماً، لكن، في المقابل، تطل روسيا برأسها من هنا. لم تقرأ أوروبا المبادرة الروسية لحل قضية اللاجئين العام الماضي، سوى أنها محاولة لابتزاز دول الاتحاد، وتهديدها. ربما من الصعب علينا في لبنان أن نرى المبادرة من هذا المنظار، لكن هناك شبه اجماع أوروبي حيال هذه القراءة، ذلك أنهم يضعون المبادرة في اطار أوسع يشمل التحرك الروسي في سوريا وليبيا. بإمكان موسكو، لو أرست نفوذها في تلك البلدان، فتح أبواب الجحيم أمام السواحل الأوروبية متى شاءت. وهذا خط أحمر.

كيف ستتحرك أوروبا؟

بداية، في حال استكمال اجراءاتها لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني ومواجهة العقوبات الأميركية، سنشهد مبادرة أوروبية جدية لتشكيل الحكومة. عند اكتمالها، ستشمل أوراق الضغط الأوروبية أكثر من طرف. أولاً، العلاقة قوية بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأكثر من طرف لبناني، على رأسهم رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري. لكن باريس لن تضغط على حلفائها للتنازل لمصلحة الآخرين. ثانياً، الآلية الخاصة ومقرها فرنسا ستُوفر عند جهوزيتها ورقة ضغط على إيران. ذاك أن الآلية مرحلية، وستبدأ بالسلع الإنسانية وتتسع لاحقاً لأداء وظائف مالية للسماح لإيران بتحويل مبالغ في صفقات دولية. المشكلة الوحيدة هي التفاصيل التقنية المُعقدة، ومحاولات العرقلة الأميركية. يأمل الأوروبيون بأن تتيح الأزمات الداخلية الأميركية مجالاً لتأسيس الآلية بعيداً عن نفوذ واشنطن وهيمنتها على النظام المالي العالمي. عندها سيكون للأوروبيين قدرة على التدخل لتشكيل الحكومة اللبنانية، بمنأى عن الروس ودميتهم الجديدة المعروفة أيضاً بإسم "النظام السوري".

لكن في حال عدم اكتمال الإجراءات الأوروبية، ما العمل؟

حينها، ستفك أوروبا أسر مؤتمر "سيدر" لتُدار المشاريع من خلال حكومة تصريف الأعمال. لبنان مثل فتى غير ناضج يسير باتجاه حتفه، لكن في الوقت الحالي، لا يُمكن أن نسمح له بالإنتحار قربنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني