آخر تحديث:11:50(بيروت)
الأربعاء 16/01/2019
share

متى نصدّق الجولاني؟

إياد الجعفري | الأربعاء 16/01/2019
شارك المقال :
متى نصدّق الجولاني؟

لا نعرف إن كانت مقولة "أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً"، مناسبة لتوصيف ما قاله "الجولاني"، زعيم "هيئة تحرير الشام"، في إطلالته الإعلامية الأخيرة. إذ يبدو أن الوصول متأخراً، سمة تطبع النقلات السياسية الكبرى لهذا الفصيل.

فكما جاءت خطوة الانفكاك الرسمي عن تنظيم "القاعدة"، متأخرة أكثر من سنتين، بعد الكثير من المحاولات الإقليمية لإقناع "النصرة" بأولوية هذه الخطوة ومدى إلحاحها، كذلك تظهر الكثير من المواقف التي أعلنها الجولاني، في حديثه الأخير، متأخرة، وحذرة أيضاً، بصورة تثير التشكيك في مدى صدقيتها.

أما السمة الثانية، التي تطبع سياسات هذا الفصيل، وتجعلها أكثر تعقيداً، هي محاولة إمساك العصا من المنتصف. وتعود هاتان السمتان، "الوصول متأخراً"، و"إمساك العصا من المنتصف" إلى سبب موضوعي، يتعلق بتركيبة "تحرير الشام"، التي تضم قيادات وعناصر موالية بشدة لنهج "القاعدة"، في الوقت الذي تضم فيه قيادات وعناصر ميالة لثقافة وضرورات البيئة المحلية السورية، والتي تُوصف عادةً بـ "المعتدلة". هذه التركيبة، وحرص قيادة الهيئة على عدم انهيارها، تدفع هذا الفصيل إلى التأخر في اتخاذ قرارات ضرورية وملحة. وحينما يتخذها، يعتمد فيها استراتيجية "إمساك العصا من المنتصف"، فتأتي بأثر ضعيف، ومثيرة لشكوك الأطراف المعنية بها.

وللأمانة، أعتقد أن "الجولاني" كقائد لهيئة "تحرير الشام"، في وضع لا يُحسد عليه. فهو يحاول زحزحة الهيئة نحو "الاعتدال" لتصبح أقرب إلى مظلة "الثورة السورية"، وفي الوقت نفسه، يريد ألا يخسر البعد التعبوي الكبير الذي تمثله رموز مقربة من منظومة "الجهاد العالمي" ضمن الهيئة، والتي تقاوم هذا الانحياز نحو مظلة "الثورة"، نظراً لقناعاتها العقائدية التي تتناقض في كثير من الأحيان، مع ضرورات السياسة. فتأتي نقلات الجولاني في معظم الأحيان، متأخرة، وغير مقنعة.

في حديثه الأخير، حاول "الجولاني" الاقتراب خطوة أخرى نحو مظلة "الثورة السورية". وبدا حريصاً على الحاضنة الشعبية في المناطق المحررة، التي أدرك منذ المظاهرات التي اندلعت قبل أشهر، ورفعت أعلام ورموز الثورة السورية، أنها ليست مستعدة للقبول بخيار إسلامي متشدد، يودي بها إلى مهالك الاستهداف العسكري والنزوح، في الوقت نفسه الذي ترفض فيه العودة إلى "حضن النظام" السوري في إطار مصالحات تبدت سوءاتها في درعا والغوطة الشرقية، بعد أسابيع فقط، من إتمامها.

لكن، في الوقت نفسه،لم يقطع "الجولاني"، مع ثقافة "الجهاد" بإستخدامه لتعبير من قبيل "الساحة الشامية". فهو في نهاية المطاف، يقود فصيلاً يعتمد استبسال مقاتليه على البعد العقائدي، القائم على طاعة شرعيي الهيئة.

وهكذا يحاول "الجولاني" أن يُمسك العصا من المنتصف، ويرمي الكرة في ملعب تركيا والقوى الخارجية الأخرى، مراهناً على أن تحافظ "فزاعة" تهجير ملايين السوريين في معركة كبرى في إدلب، على تأثيرها المثبط لأي رغبة باقتلاع الهيئة التي تحولت إلى الفصيل المسيطر دون منازع، تقريباً، في معظم المناطق المحررة.

لكن هذا الرهان يحمل مخاطر كبرى، ويتوقف على ما يدور وراء الكواليس من صفقات واتفاقات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين في سوريا. وإن كانت "هيئة تحرير الشام" قد نجحت في فرض نفسها كأمر واقع في المناطق المحررة، فإن لديها تحدّيٍاً جسيماً، يتمثل في تجنيب المنطقة سيناريو نزع الغطاء التركي والأوروبي – الأمريكي عنها، والذي وقاها حتى الآن، رغبة إيرانية – أسدية جليّة، للسيطرة عليها، وشكّل عامل ضغط على الروس، دفعهم للقبول بتأجيل ملفها، إلى حين.

ماذا يمكن للجولاني أن يفعل لتجنيب المنطقة هذا السيناريو؟ ببساطة، أن يتوقف عن إمساك العصا من المنتصف، وعلى الهيئة التي يقودها أن تذهب في تنفيذ وعودها، إلى أقصاها. سواء على صعيد الفصل بين الفصائل المسلحة، وبين الإدارة المدنية للمنطقة، أو على صعيد العمل على تمثيل جميع القوى التي تتمتع بحاضنة شعبية في المنطقة، في إداراتها المحلية، بعيداً عن المحاصصات الفصائلية، بالاعتماد على الوزن الشعبي عبر عمليات انتخابية. ناهيك عن ضرورة تعزيز التقارب مع تركيا، وتنسيق المواقف معها.

وبالإشارة إلى الفعل الانتخابي، فهو قد حصل في إدلب، خلال السنة الفائتة، على الصعيد المحلي، وتقبلته الهيئة. وهي مرونة جيدة. لكن هذه المرة، يجب الذهاب بهذه الانتخابات لتكون ذات فعالية أكبر، شاملة لكافة المناطق المحررة، ومضبوطة وفق منظومة انتخابية تتيح حصول تنافس مقبول بين المرشحين، بعيداً عن السطوة المسلحة للهيئة. ويمكن للأخيرة أن تمثل نفسها عبر تكتل سياسي، يمثّل مشروعها. كما يجب أن تتيح الهيئة لمنافسين لها، أن يتمثلوا في تكتلات سياسية تقدم مشاريع منافسة.

ببساطة، يجب أن تكون إدارة إدلب والأرياف المجاورة لها، نتاج إرادة شعبية تمثل سكان المنطقة، وليس بالتغلب. على أن يتفرغ مقاتلو الهيئة والفصائل الأخرى، للجبهات، ويُترك الصراع السياسي لشخصيات متخصصة بهذا الأمر.

إذا تحقق ما سبق، حينها فقط، يمكن أن نقول أن الجولاني صدق في نواياه، التي أفصح عنها، بتقديم بديلٍ في إدلب، أفضل من النظام، يسمح للمعارضة أن تقول للعالم أن تلك البقعة لا تُحكم من متشددين، بل من قوى مستعدة للاحتكام لقواعد لعبة سياسية تتمتع بمعايير مقبولة من الشفافية، ويجعل من كلفة شن حرب كبرى على تلك المنطقة، أعلى على الروس، وعلى الحليفين الإيراني والأسدي.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها