آخر تحديث:18:46(بيروت)
الأربعاء 16/01/2019
share

ترامب-بومبيو والربيع الاميركي

لوري كينغ | الأربعاء 16/01/2019
شارك المقال :
  • 0

ترامب-بومبيو والربيع الاميركي Getty ©
كان الثلج يتساقط باستمرار في العاصمة واشنطن لأكثر من 24 ساعة، ونتوقع ساعات أخرى من تساقط الثلوج. مثل العديد من أساتذة جامعة جورج تاون وطلابها، أنا في انتظار سماع ما إذا كان سيتم إغلاق الحرم الجامعي بسبب الثلوج أم لا. الإجراء الاعتيادي هو إغلاق الجامعة إذا أغلقت الحكومة الفيدرالية. لكن تم إغلاق نصف الحكومة بالفعل لمدة 22 يوماً. إذن، من يتخذ القرار؟ فالثلج في الخارج يدوّر جميع الزوايا الحادة ويرسم حدود المشهد الغامض. وبالمثل، فإن خدع إدارة ترامب تمحو معالم واقعنا السياسي في الداخل والخارج. من الصعب أن نعرف بالضبط أين نحن الآن في هذه الحالة السوريالية من انعدام اليقين، نتساءل ما إذا كان الرئيس سيُحاسب وينتصر الكونغرس الجديد، أو إذا كان الضرر الذي أحدثه ترامب لمؤسساتنا غير قابل للإصلاح أصلاً. نحن نحاول أن نجد طريقنا في عاصفة من الأكاذيب حيث تهب رياح الكراهية والخوف بشراسة في كل مكان حولنا.
ربما لا يكون الانفصال بين الواقع وأوهام ترامب واضحاً تماماً كما هو الحال في النقاش حول الهجرة عبر الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. وفقاً لترامب، عشرات الآلاف من المجرمين الخطرين والإرهابيين يتسللون إلى البلاد ويشكلون خطراً وخيماً على حياة الأميركيين، والأمر الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الولايات المتحدة هو الجدار المكلف. تقول الإحصائيات خلاف ذلك: على مدى العقد الماضي، انخفضت الهجرة إلى الولايات المتحدة من المكسيك وأميركا الوسطى بشكل ملحوظ. قد يجعلنا ترامب نؤمن بأن الآلاف من "الإرهابيين" (العرب والمسلمين ضمناً) يعبرون الحدود كل يوم. لا يوجد أي دليل على ذلك على الإطلاق، لكنه يتشدق أمام العامة وعلى تويتر بأن لديه "الحق المطلق" بإغلاق الحكومة لفرض جداره وإرادته علينا، وأتباعه يقومون بعملهم على أكمل وجه وبإخلاص بتضخيم جنونه من خلال "تويتر" وعلى "فوكس نيوز". من الواضح أن الهجرة هي "بعبع" الرئيس، والدليل على عنصريته، فضلاً عن افتقاره التام إلى التعاطف مع العائلات التي تلتمس اللجوء من الفوضى والفقر والعنف في أميركا اللاتينية.
في جميع أنحاء البلاد، يقوم مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على التمويل الحكومي بخفض كميات الغذاء، وعدم دفع إيجاراتهم ورهونهم العقارية، والتخلي عن شراء أدوية أساسية، ورفع ديونهم. بعد أن عاش في حضن الترف طوال حياته، لا يمكن أن يتعاطف ترامب مع 78 في المائة من الأميركيين الذين يعيشون على الراتب الشهري. ويقترح أن يقوم الأشخاص ببيع السيارات، أو يقومون بوظائف غريبة حول شققهم في مقابل الإيجار، خلال فترة الإغلاق. كما أوضح أن الإغلاق سيستمر حتى يحصل على ما يريد، بغض النظر عن الأضرار التي لحقت بالشعب الأميركي ومؤسساته. على الرغم من قلقه الواضح بشأن الأمن، فإن الأشخاص المسؤولين عن ضمان الأمن في المطارات، وإدارة سلامة النقل لا يحصلون على رواتبهم، والكثيرين منهم يئنون. إذا أراد أي شخص تفجير طائرة، فهذا هو الوقت الأمثل.
في هذه الأثناء، تشعر وزارة الزراعة بإمكانية إغلاقها أكثر من أي قطاع آخر في الحكومة. الأشخاص الذين يضمنون أن طعامنا آمن للأكل لا يقومون بوظائفهم. لا ينبغي لأحد أن يُفاجأ إذا كانت الأمراض التي تنتقل عن طريق الغذاء تنتشر في جميع أنحاء الولايات المتحدة. من المؤكد أن الأميركيين الذين يمرضون من أكل الخضروات الملوثة بالمياه الآثنة يجب أن يُحتسبوا كتهديد للأمن القومي، لكن ليس بالنسبة لترامب. هو يعرف أنه يستطيع الاعتماد على شركائه البغيضين في مجلس الشيوخ، أولا وقبل كل شيء، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل من ولاية كنتاكي، الذي سارع إلى إلقاء اللوم على الديموقراطيين بسبب الإغلاق، على الرغم من أنه هو نفسه قاد عمليات الإغلاق الحكومية عندما كان أوباما رئيساً للولايات المتحدة عام 2013. مثل رئيسه، ماكونيل هو أيضاً كاذب جريء ووقح. يتساءل المرء كيف ينام هؤلاء الرجال في الليل أو ينظرون إلى أنفسهم في المرآة كل صباح.
وليست عملية تشويه الواقع محصورة داخل حدود الولايات المتحدة. في الأسبوع الماضي، ألقى وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو كلمة في الجامعة الأميركية في القاهرة. كانت تتألف بالكامل من مجموعة من الأكاذيب والتشويهات حول كيفية مساهمة إدارة ترامب في استقرار الشرق الأوسط، وكيف أن إيران هي أكبر خطر على المنطقة، إن لم يكن على العالم نفسه. وبالطبع، لم يذكر بومبيو شيئاً عن التدمير السعودي-الإماراتي لليمن أو سمعة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أعقاب مقتل الصحافي جمال خاشقجي قبل ثلاثة أشهر.
قبل عشر سنوات، ألقى الرئيس باراك أوباما خطاباً في المكان نفسه. ذلك الخطاب ترددت أصداؤه عميقاً في جميع أنحاء العالم العربي، وفتح فصلاً جديداً في العلاقات الأميركية العربية والإسلامية مبنية على أساس الكرامة والاحترام. ربما أثّر خطاب أوباما حتى على آلاف الشباب في تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا الذين نزلوا إلى الشوارع بعد عامين في عام 2011، حيث أطلقوا الربيع العربي. ورأى بعض الخبراء أن خطاب بومبيو، بعد عقد من الزمن في المكان نفسه، كان بمثابة الرفض الشرّير لكل ما وقف أوباما من أجله في الداخل والخارج. التباين والمقارنات ضاعت بلا سبب. إذا كان بومبيو يهدف إلى ترميم وتقوية العلاقات الأميركية مع العالم العربي، فإنه أخطأ بالتأكيد في خطابه. إن أكاذيبه ومزاعمه الغريبة لم تؤّد إلا إلى إثارة المزيد من الشكوك حول سياسات ترامب الخارجية، ناهيك عن سلامة عقله.
الزملاء في الجامعة الأميركية بالقاهرة علموا عن خطاب بومبيو فقط بعد حدوثه. لم يكن الخطاب مفتوحاً للجمهور، ولكنه كان مقتصراً على جمهور محدد وجهت الدعوة إليه من قبل السفارة الأميركية، وليس رئاسة الجامعة. أستاذة في الجامعة الأميركية بالقاهرة عبّرت عن خيبة أملها في رسالة إلى رئيس الجامعة الأميركية في شيكاغو ريكاردوني: "لا أعتقد أنني العضو الوحيد في حرم الجامعة الأميركية الذي فوجئ بنبأ أن مايك بومبيو كان يتحدث في الجامعة. هل تم التشاور مع أي من أعضاء مجتمعنا حول ما إذا كانت فكرة جيدة إحضار مدير سابق لوكالة المخابرات المركزية تحدث عن استخدام التعذيب إلى الجامعة الأميركية في القاهرة؟ هل تم أخذ مكانة الجامعة في المجتمع الأوسع بعين الاعتبار في هذا القرار، وهل كانت كل تبعات ربط الجامعة مع وزارة الخارجية الأميركية مفهومة؟". لم تتلقَ أي رد.
في اللغة الإنكليزية الأميركية المحكية يُطلق على عملية خداع وتضليل شخص آخر "وظيفة ثلجية". لقد غطّت أكاذيب الرئيس المختل العاصمة واشنطن بالثلج بالقدر نفسه الذي قامت به الطبيعة. سوف يذوب الثلج الذي يغطي كل شيء خارج نافذتي في النهاية. يبقى أن نرى متى وكيف ستنتهي عاصفة ترامب الثلجية من الأكاذيب. الربيع قادم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب